أحزم حقيبتي للسفر إلى لبنان

0 64

حسن علي كرم

للبنانيين مقولة غالباً ما يرددونها اذا عصفت في بلادهم الاحداث الصعبة، كالحروب الداخلية (الاهلية) ومغاليق الحياة، مثل الازمات الحالية، كأزمة البنزين والمازوت والادوية، وما ينتج عن ذلك من ارتفاع اسعار بعض المواد الضرورية اليومية، وهي قولهم:” لبنان يمرض لكنه ما بيموت”. خلال متابعتي لاخبار لبنان منذ ستين عاماً اقول ان هذه المقولة تنطبق فعلاً على لبنان، ومن قالها، قالها بتبصر وامعان، فقد تابعتُ حروب لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي، اي منذ وجه القوميون العرب السلاح الى صدر نظام الحكم، وحينها كان كميل شمعون رئيسا للجمهورية، رجل اميركا ورجل القوة والمهابة وكان الى جانبه شارل مالك، وزيرا للخارجية، عبقري السياسة الدولية. بمناسبة كان مالك احد ثلاثة وزراء خارجية عرب في ذلك الوقت الذين كانوا عباقرة السياسة الخارجية، فالاثنان الاخران هما محمود فوزي وزير خارجية مصر في العهد الناصري وفاضل الجمالي في العراق خلال العهد الملكي.
لم يكن شمعون وحده، فلبنان كما انه طوائف واديان ومذاهب، ايضاً هو أحزاب وفصائل، فهناك الكثير من العوائل اللبنانية الشيعية، على سبيل المثال، كانت مع الحكم وشمعون، كاسرة الخليل الشيعية، كذلك انقسمت الطائفة الدرزية بين الثورة والنظام، فكمال جنبلاط الدرزي الاشتراكي وقف مع رشيد كرامي السني القومي العروبي الناصري، فيما الامير مجيد ارسلان الدرزي كان مع شمعون، وكان في هذه المعركة، التي لم يكن المواطن اللبناني لا في العير ولا النفير، كعادته في كل الحروب الاهلية، الا انه دفع ثمن الرصاصة وثمن الجوع الذي فرضه عليه السياسيون، ومع كل ذلك فقد خرج لبنان واللبنانيون من الحرب العبثية اكثر قوة وربما ازدهاراً!
اول زيارة لي الى لبنان كانت في اواسط ستينات القرن الماضي مع ثلة من الاصدقاء، ونزلنا في فندق “كرمه” لمالكه المرحوم عبدالعزيز المساعيد صاحب دار “الرأي العام” الكويتية. اذكر نزلنا من الفندق، وكان الوقت ليلاً، وكان في الجهة المقابلة مطعم شاورما، فطلبت سندويش شاورما لحم، اخذتُ التهمُ السندويش بشكل غير عادي، لاانها ليست لذيذة فقط بل شهيةجدا، فاللحم طري والطحينة والخضر، وبمعايير اليوم فان السندويش الواحد كان في تلك الايام يشكل اربعة سندويشات اليوم.
في الكويت منذ الخمسينات من القرن الماضي، انتشرت مطاعم سندويشات الشاورما والفول والفلافل، لا سيما في حولي وشرق وشارع فهد السالم، لكن الشاورما اللبنانية غير، ليت الايام تعود، لكنها لن تعود لان الزمن لا يرجع للوراء!
لبنان رائع وسيبقى رائعاً، منذ ان استتب الوضع اللبناني بعد الحرب الاهلية (1975 – 1990 ) ومنذ ان استتب الوضع هنا في الكويت بعد الغزو العراقي الغاشم، لم انقطع عن زيارة لبنان، ففي كل عام ازوره مرتين. اعشق بيروت وشوارعها ومكتباتها التي تضع على واجهاتها الزجاجية احدث الاصدارات العربية والاجنبية، واعشق مقاهيها المنتشرة على جانبي شارع الحمرا. هذا لبنان الذي اتعجب من اللبنانيين لماذا يهجرونه، صحيح ان مساحته لا تفي لو بقي كل اللبنانيين على ارضه فـ 16 مليون لبناني مهاجر واربعة ملايين لبناني مقيمون، هذا بخلاف نصف مليون فلسطيني مستوطن، وقد زادهم منذ نشوب الحرب الاهلية في سورية نحو مليون ونصف المليون سوري نازح. هذا الى جانب نازحين عراقيين ويمنيين، وربما هذا ما يدفع اللبناني الى الهجرة بحثا عن ملاذ يحتضنه، فاللبنانيون رغم انهم كأي امة اخرى، متعلمون واميون ونصف متعلمين، الا انهم خلاقون ومبدعون، ولا يأنف اللبناني اذا عمل في مهنة او حرفة متواضعة، مقابل الا يبقى عاطلا عن العمل. السنتان الاخيرتان ربما كانتا اسوأ السنين التي عاشها اللبنانيون، سياسياً ومعيشياً، فالازمات كما لو كان اللبنانيون موعودين بها،وقد زاد عليهم وباء “كورونا”، هذا الوباء الذي اجتاح العالم بأسره، ليس لبنان فقط، لكن الازمة السياسية استفحلت جراء الوضع الصحي واختفاء الادوية، هذا بخلاف الغلاء وغياب البنزين والمازوت والخبز، الامر الذي جعل الخائفين والمحبين والعاشقين للبنان بلد الارز والفن والجمال، وبلد الكتاب والمطابع الا يعود الى ما كان عليه، الا ان المتشائمين، وربما يعانون من قصر النظر او قصور في الوضع اللبناني يتصورون ذلك، فلبنان سيعود الى عهده وسيقف ممتشق القامة، فهو ليس شجرة يابسة حتى تموت، لبنان شجرة طرية تفرش ظلالها على كل مساحته، ارضا وجبالاً وبحراً، وهو رغم تناقضاته يبقى لبنان الذي لا بد ان تزوره، هذا اللبنان الذي تغنى فيه الشعراء، وتغزل به العشاق، وغنج الحسناوات لا بد ان تبقى عاشقاً له. لبنان في العهد الجديد الذي سوف يقوده رجل الاعمال والملياردير الثري نجيب ميقاتي، علينا ان نتفاءل انه سوف يعود قوياً ويتعافى.

صحافي كويتي
hasanalikaram@gmail.com

You might also like