أخطاء المال مكلفة

0 54

د. لويس حبيقة

من خصائص أزمات المال انعكاسها السلبي على كل شيء. كل القطاعات تتأثر بالأزمات المصرفية على عكس قطاعات أخرى.
الأزمة المالية تسيء الى التربية والصحة وجميع قطاعات البنية التحتية والفوقية. تؤثر القرارات المالية على النمو وما يتبعه من استقرار اقتصادي واجتماعي.
أهم أزمتين ماليتين في العالم كانتا في الثلاثينات وأزمة 2008، والعامل المشترك بينهما هو أن أهم أسبابهما كان الانفلاش المصرفي، أي الاقراض من دون حدود ومن دون دراسة الزبائن.
المهنية المصرفية المعروفة والموروثة عالميا أهملت، مقابل التهور والجشع وسوء الأمانة تجاه المودعين والسلطات، ويمكن القول إن الليبيرالية التي عمت العالم ساهمت في دفع المشاركين بالأسواق الى المغامرة في سبيل الربح.
حرية الأسواق مفيدة ضمن قوانين الرقابة التي يجب أن تمارسها مؤسسات رسمية متخصصة، للأسف لم تؤد عملها قبل الأزمات الكبيرة، فالليبيرالية المتوحشة شجعت على خلق أدوات مالية جديدة شديدة الخطورة رفعت مستويات المخاطر، وسببت الكوارث.
قال الاقتصادي الكبير كينز إن الرأسمالية المحافظة والمنضبطة تؤدي الى نتائج فاضلة أهم بكثير من أي نظام اقتصادي آخر.يمكن وصف عمل النظام الليبيرالي العالمي بالجيد في آلياته ونتائجه بين سنتي 1990 و 2007.
للأسف ارتفعت معه الديون الناتجة عن سوء الممارسة خاصة بين سنتي 1986 و 2006 حيث زادت ديون الأسر الأميركية مثلا من 70% من دخلها الى 120%. كما ارتفعت ديون الأسر البريطانية في الفترة نفسها من 90% من دخلها الى 140%. كان هذا الارتفاع كبيرا وسريعا مما أحدث شرخا في عمل النظام المصرفي العالمي. لا شك ان الغاء قانون “غلاس- ستيغل” الأميركي في سنة 1999، والذي أقر سنة 1933 ليفصل العمل المصرفي التجاري عن الاستثماري، كان له الوقع الأسوأ على الأسواق وشفافيتها.
من أهم النتائج هذه الأزمات غياب الثقة، ونعلم جميعا كم هي سهلة خسارة الثقة و صعب اعادة بنائها.
قال كونفوشيوس :” هناك ثلاث شروط للحكومة الفاعلة، وهي توافر السلاح لضبط الأمن والدفاع، توافر الغذاء للجميع، ووجود الثقة بين المواطنين والحكومة”. أهمية الثقة أنها تربط واقع الأسواق بمستقبلها عبر مؤشرات عدة منها الفوائد. لا ثقة تؤدي الى لا نمو وزيادة في الفقر.
مع أن المقارنة بين الكارثتين واضحة، الا أن العالم تعلم من أزمة الثلاثينات ليخفف حجم الخسائر التي كانت ستحدثه أزمة 2008. تم تجنب الأقصى والأكثر تكلفة بذكاء، علما كان من المستحيل تجنبها بالكامل. تجنب الأسوأ ماليا لم يكن من دون تكلفة اجتماعية.
الخوف من تكرار أزمة الثلاثينات دفع بالمسؤولين النقديين الى دعم مصرف “ليمان براذرز” بسرعة خوفا من انهيار النظام العالمي المالي كليا. تم ضخ المصارف بالمال للحفاظ عليها وحماية النظام. كما قامت الحكومات بدءا من الولايات المتحدة بضخ الاموال في السوق مما ساهم في زيادة الدين العام الى حدود غير مسبوقة، وهذا كان سيئا اذا ذهبت الأموال للهدر، لكنها تكون مقبولة اذا هدفت الى الانقاذ.
لم تستمر الحكومات بسياساتها السخية طويلا وعادت بسرعة الى التقشف الممارس قبل الأزمة، أي كان هنالك بعض التسرع في العودة الى السياسات العادية الطبيعية قبل الحلول النهائية والأكيدة. لذا لم يعد النمو بسرعة الى سابق عهده وكان الانتعاش بطيئا وضعيفا. كان من المفروض على السلطات العامة وخاصة الأميركية القيام بسرعة بما يلي:
أولا: ضخ الأموال بكميات أكبر وبسرعة في الأسواق وليس انتظار المؤشرات مما ساهم في تكبير المشكلة وجعل الحلول مكلفة أكثر.
ثانيا: التمييز بين أوضاع المصارف المختلفة، أي هناك مصارف تحتاج أكثر من غيرها الى التدخل المالي وربما التقني. لو فعلت السلطات الرسمية ذلك، لعادت الثقة الى المؤسسات بسرعة أكبر ولعاد النظام المالي الى العمل كالسابق.
ثالثا: زيادة الانفاق المالي عبر الموازنات لانقاذ الوضع العام. كانت سياسات التقشف في ذلك الوقت مسيطرة على أذهان المسؤولين، وبالتالي كان الجو السائد ضد الدعم المالي للأسواق. تأخر المسؤولون في توفير المال الى المصارف وشركات التأمين والمؤسسات المتخصصة.
رابعا: تأثرت البطالة سلبا وكان من المفروض على السلطات أن تكون سخية أكثر تجاه العاطلين عن العمل.
خامسا: جميع الدول بما فيها المتقدمة تحتاج الى اصلاح القوانين والمؤسسات. وفي جميعها قوى الواقع لا ترغب في التحديث لأنها مستفيدة من الواقع القائم. لا تتم الاصلاحات عموما الا بعد الكارثة حيث الخيارات تغيب ويصبح تطبيق الجديد ضروريا ومكلفا وربما متأخر أحيانا. الخوف من الاصلاحات يضر ويسيء الى المستقبل ويرفع التكلفة ويضر بالشعب.
أخيرا ما يجب التنبه اليه هو “الثنائي الخطر” أي توافر أموال ادخارية كبيرة تفتش عمن يقترضها، ووجود رغبة مصرفية للاقراض. هذا الثنائي القابل للانفجار يسيء دائما الى الاستقرار. ما حدث أضعف الثقة في النظام الليبيرالي العالمي الذي أنتج أزمات بفضل سوء الممارسة وغياب الضوابط. هناك شك عالمي اليوم في امكان النظام الرأسمالي في انتاج نمو صحي مستمر وبخاصة في الدول الفقيرة. ما المطلوب؟ بعض الضوابط:
أولا: يحتاج النمو الى تطبيق سياسات ترفع الانتاجية، وتخفيف الكلفة لا يكفي للنهوض، ويجب تصحيح الأخطاء السابقة المعروفة.
ثانيا: تشجيع العلاقات التجارية بين الدول، أي العودة مع بايدن الى ما قبل نظريات ترامب المنغلقة التي أضرت بالتجارة العالمية وبالولايات المتحدة تحديدا، فالتجارة الدولية تعني النمو وبالتالي تحسين أوضاع الجميع.
ثالثا: العودة الى أسعار الصرف الحرة التي تستوعب الخضات وتساعد على تحقيق الاستقرار الضروري للنمو. استعمال سعر الصرف كسياسة لتحسين الميزان التجاري مضر ويدفع الآخرين الى استعمال الاسلوب نفسه، وبالتالي ادخال الدول في حروب تجارية نقدية مضرة.
ما يحكى عن تثبيت أسعار صرف وتنفيذ مجالس نقد هي عمليات مسيئة جدا للنمو وتساهم في ادخال التعثر والفوضى الى العلاقات بين الدول.

خبير اقتصادي لبناني

You might also like