أزمتنا بالثيران… وليست أزمة بقر

0 99

منذ سنوات، ومع كل فجر جديد نعود إلى المربع الأول للنحيب على ما وصلنا إليه اقتصادياً ومالياً، فيما حكوماتنا المتعاقبة أعفت نفسها من المسؤولية، تصرخ يومياً مطالبة بإيجاد حل للأزمة المالية، فمرة تذهب إلى جعل قانون الدَّين العام، المعلق على أهواء النواب، خشبة الخلاص، ومرات تغمز من قناة المسّ بجيوب المواطنين، وفرض الضرائب، وكأن الكويت أفلست من كل الموارد، وتصحرت فيها الأفكار، ولم يعد لديها إلا هذه الحلول البتراء التي لا تُغني ولا تسمن من جوع.
صحيح أن الضرائب أحد الحلول، فدولة الرعاية من المهد إلى اللحد أصبحت من الماضي، وعلينا الاعتراف صراحة بهذا، لكنها ليست الحل النهائي، فهي خطوة في طريق طويل.
أيضاً الخصخصة يمكن أن تكون خطوة أخرى، لكنها ليست كافية إذا لم تتوافر إدارة صحيحة للاقتصاد الوطني الذي يتحدث الجميع عن تنويعه، وإيجاد مصادر دخل أخرى، لكن “عمك أصمخ” لأن من يطرح ذلك ليس لديه خطة، لذا سنبقى ندور في حلقة مفرغة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ربما من المفيد التعلم من تجارب الآخرين، ففي العالم دول كثيرة ليست لديها الثروات الطبيعية المتوافرة للكويت، فاليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية لا تمتلك أي ثروات طبيعية يعول عليها، لكنها استطاعت التحول إلى قوة اقتصادية عالمية، لأن لديها الإنسان والعقل والمعرفة، وهي أهم أدوات النهوض والتطور، وفوق هذا تمتلك الإرادة في التخطيط والتنفيذ، ولا تقف عند أي عوائق مثلما هي حالنا.
هولندا، مثلاً، التي هي اليوم ثالث أكبر منتج للأجبان والألبان والحليب في العالم، ووفقاً لبعض التقارير الدولية، تمتلك نحو 13 مليون بقرة، لا تعاني من أزمات اقتصادية ومجاعات بين الفينة والأخرى كما هي حال إثيوبيا التي تمتلك ما يصل إلى 54 مليون بقرة، والسودان 43 مليونا، وموريتانيا نحو 20 مليونا من رؤوس الماشية المتنوعة، ورغم ذلك لم تستطع هذه الدول التغلب على أزمتها الغذائية، فيما تحتل منذ عقود أدنى مستويات الأمن الاقتصادي.
أزمة هذه الدول ليست في الموارد الطبيعية، فالسودان يوصف بالسلة الغذائية للعالم العربي، وإثيوبيا تعتبر من أغنى الدول الإفريقية بالثروات الطبيعية، غير أنها تفتقد الخطط والإدارة الصحيحة للموارد، إضافة إلى المحاباة والمحاصصة السياسية، والنزعة العشائرية والقبلية.
بعيداً عن القارة الإفريقية والنماذج الأوروبية والآسيوية في النهوض الاقتصادي، وحسن استغلال الإمكانات، ففي الخليج لدينا نماذج يمكن الاستفادة منها كالإمارات والسعودية، وفي هذا الشأن أستعين بمقولة لأحد المسؤولين الخليجيين: “الكويت تفكر ونحن ننفذ”، لذا تحولت كل الأفكار الكويتية في فترة من الفترات محفزاً على النهوض الخليجي، ففي الإمارات حيث الصحراء والطقس الحار والرطب لم تحل الظروف دون أن تتحول دبي وأبوظبي وبقية الإمارات إلى قبلة استثمارية عالمية، فيما المملكة العربية السعودية أصبحت اليوم قوة اقتصادية هائلة.
السبب في ذلك الإدارة الواعية المخلصة لوطنها، التي لا تحابي الفاسدين، ولا تغض الطرف عن المعتدين على المال العام، وخير مثال على ذلك الحملة السعودية على الأمراء والشيوخ ورجال الأعمال الذين نهبوا طوال عقود موارد الدولة، إلى أن تيسر لها قادة أوقفوا الجميع عند حده.
مشكلة الكويت ليست بالأفكار، ولا الموارد الطبيعية، إنما في الإدارة اللاهية بالأمور التافهة والثانوية، أي كما نشرنا قبل عام ونيف في تغريدة بالثيران التي تدير الاقتصاد وليس بعدد البقر، إذ ليست لدينا مشكلة بقلة الأموال، إنما بكثرة اللصوص، فعندنا نحو 90 جهة رقابية، أربع منها فقط، تكلف المال العام ما يزيد على مئة مليون دينار، إلا أنها ليست فاعلة لأنها قائمة على المحسوبية… هذه الكويت صل على النبي.

أحمد الجارالله

You might also like