أمن الدولة… صدق المتنبي “معظم النار من مُستصغر الشرر”

0 175

في الدول الديمقراطية الحقيقية تكاد لا تشعر بجهاز الأمن الداخلي، لأن مهمة هذه الأجهزة تعزيز الديمقراطية وحماية حقوق الأفراد، وتحصين الدولة، ورفع التقارير المستندة إلى دراسة معمقة للوضعين الاقتصادي والسياسي إلى قادة البلاد، أي في جانب منها هي مستشار أمين ووطني ومخلص.
أما في بعض العالم الثالث، فيتحول هذا الجهاز مصدر قلق للجميع، حتى كبار رجال الدولة، بسبب غياب الرقابة ومنح هذه الأجهزة صلاحيات خارج نطاق القانون، فتمارس البطش والتنكيل، والتجسس على خصوصيات الناس، ما يؤدي إلى تفشي الفساد لأن ضباطه يصبحون الأسياد الذين لا يُرد لهم طلب، فيتعدون على الحرمات من دون أي محاسبة، وفي حال انكشفت أي جريمة أو تجاوز إما يُسجل الأمر ضد مجهول، وما أكثر المجهولين في العالم الثالث، أو تؤخر ترقية المرتكب، وهو أقصى ما يمكن أن يُتخذ من إجراءات.
أجهزة أمن الدولة في تلك البلدان قادت انقلابات، وتسبب في اغتيالات، وأدى قمعها للناس إلى الثورات، إضافة طبعاً إلى التخلف الاجتماعي والسياسي، والضعف الاقتصادي لأن العاملين فيها تفرغوا للرشوة والابتزاز، أما في الدول التي تحترم حريات شعوبها لا يمكن أن تشهد هذا النوع من الممارسات التي تصنّف في خانة “أعمال المافيات”.
إن مهمة إدارة أمن الدولة حسّاسة جداً، لذلك هي بحاجة إلى رجال مخلصين لوطنهم، وليس لمن يعملون لمصلحة من هم أعلى منهم رتبة، وأن يكونوا مدربين، وأصحاب كفاءة، وليست كل قدراتهم مسابقات صيد الأسماك وأن السمكة الصغيرة لا تكسب.
العاملون في هذه الأجهزة لا يدلسون على القيادة، ولا توكل الإدارة إلى شخص لا يعرف “كوعه من بوعه” يحيط نفسه بحفنة من الضباط الذين يصورون كل خطوة يقدُم عليها أنها إنجاز عظيم، ويكتفي بما ينقل إليه من هؤلاء، في المقابل حين تسأل أياً منهم عن فعل مخالف للقانون يقول لك: “عندي أوامر من فوق”.
معالي وزير الداخلية، نحن في بلد يحكمه أمير عادل، يتدبر ما في كتاب ربه ويعرف الأوامر والنواهي، وولي عهد يخاف الله وتقي ورع، ويشدد على أن لا أحد فوق القانون، مهما كانت مكانته الاجتماعية، أو منصبه.
من هنا لا بد من العمل على إصلاح ما أفسده بعض ضباط أمن الدولة الذين عملوا على مخالفة القانون، ولا بد من شكر الظروف التي كشفت ليس فقط قضية الضابط المعتقل، فهذه أصبحت في عهدة النيابة العامة التي تؤدي واجبها على أكمل وجه، بل ما يتعرض له مواطنون ووافدون من تضييق وتلفيق تهم.
لا نخفيك يا معالي الوزير أننا بتنا نخشى على أنفسنا في ظل تمادي ضباط هذه الإدارة بمخالفة القانون ولا نعرف لحساب مَن، وإن عرفنا فتلك أم الكبائر، ومن هنا لا بد من نفضة كبيرة في الجهاز، الذي من الواجب أن يزود بعقول أمنية واعية، مخلصة للأمير وولي العهد وللكويت، فمن آفات الهلاك استصغار الشر، وصدق المتنبي يوم قال:
“كلُّ الحوادثِ مبدأُها من النظر
ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ
كْم نظرةٍ فعلتْ في قلب صاحبها
فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وتـرِ
والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقَـلِبُها
في أَعينِ الغِيرِ موقوفٌ على خَطرِ
يَسرُّ مُقلَتَهُ ما ضرَّ مُهجَـتَهُ
لا مرحباً بسرورِ عادَ بالضـررِ”
لأن من يعتقد أن أحداً لن يطوله بسبب مكانته الاجتماعية وهو ابن مَن، فيما غاب عنه أن العدالة تطول الجميع كما قال سمو الأمير وولي العهد، فمن لم يصُن الأمانة جلب على نفسه الضرر.

أحمد الجارالله

You might also like