أميركا… إلى أين تتَّجه؟

0 17

لا شك أن الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة كشفت عن أزمة عميقة في النظام الانتخابي المستمر منذ العام 1781 إلى اليوم، إذ هي المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس في السلطة عن تزوير الانتخابات، ويحاول الانقلاب على نتائجها، بل يعلن الذهاب إلى المحكمة العليا في أكثر من ولاية لإعادة فرز الأصوات، فيما كانت جرت العادة طوال القرون الماضية أن يحدث ذلك في ولاية واحدة، مثلاً، على غرار ما حصل في فلوريدا مع انتخاب جورج بوش الابن، وقد عولج الأمر بهدوء بعيداً عن الإثارة التي تشهدها اليوم، ما دفع بعض المراقبين إلى السؤال: هل يمكن أن تؤدي الأزمة الحالية إلى حرب أهلية؟
واقعياً، ليست هناك أسباب كافية للوصول إلى هذه النقطة الحرجة جدا، كما أن الوضع الحالي يختلف عمّا كان عليه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي أدى إلى الحرب الأهلية الوحيدة التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإن الوضع لا يزال بعيدا جدا عن الوصول إلى ذلك المأزق، رغم أن الأزمة رفعت منسوب العنصرية والخطاب التمييزي على أساس العرق، ما عمَّق الانقسام الاجتماعي، الذي كان موجوداً منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1864، إلا أنه كان يخفت حيناً ويشتد في آخر.
استناداً إلى هذه الوقائع، تتجه الولايات المتحدة إلى مزيد من الخطاب العنصري والطبقي المتطرف، لا سيما أن الرئيس الحالي دونالد ترامب من المؤيدين للتيار الإقصائي، وسيبقى يناور على أمل الوصول إلى هدفه قبل 14 ديسمبر المقبل، موعد اجتماع المجمع الانتخابي الذي يصادق على تنصيب الرئيس الجديد.
في القرون الثلاثة الماضية، تغيَّرت التركيبة الاجتماعية الأميركية كثيرا، من مجتمع زراعي إلى آخر صناعي منفتح وذي حقوق محصَّنة بقوة الدستور، وتغيرت خريطة المصالح الداخلية، وإذا كانت عملية الاختيار الديمقراطي، ماضياً، تقوم على الصفاء الديني في اختيار الرؤساء وأعضاء السلطة التشريعية وكذلك التنفيذية، فهي مع بداية القرن العشرين بدأت تشهد تغيراً، فقد وصل إلى سدة الرئاسة كاثوليكيان، هما جون كنيدي، الذي اغتيل قبل إكمال ولايته الأولى، وجو بايدن المنتخب حاليا، ورئيس أميركي من أصول أفريقية هو باراك أوباما.
يمكن اختصار الأزمة الحالية بالرفض اللاشعوري للعنصريين البيض لهذا التبدل الكبير في المزاج الاجتماعي والسياسي، وهو لا شك سيؤدي إلى قلاقل أمنية كبيرة، لكنها لا تصل إلى حد الحرب الأهلية، إلا في حال تهيَّأت الظروف العضوية لهذا الأمر، أي إعلان بعض الولايات الكبرى رغبتها في الانفصال على غرار ما حصل في العام 1860 التي رودت إلى الحرب الأهلية بعد سنة منذ ذلك التاريخ.

أحمد الجارالله

You might also like