أمير إشبيلية المُعتمد بن عباد ناعياً مُلْكَهُ: قَبْرَ الْغَريبِ سقاك الرائحُ الغادي … حقاً ظفرتَ بأشلاءِ ابن عبادِ

0 271

أحمد الجارالله

كأنَّ الاختلافَ والانعزالَ عن الآخر، وعدم الالتفات إلى النصحية، موجود في جينات بعض القادة العرب؛ لذا لم يستطع أيٌّ منهم الحفاظ على دولته، ولا أفسح في المجال للناصحين من شعبه؛ كي يؤدوا الأمانات، التي أمر اللهُ بها، بل عمد هؤلاء إلى اللهو والترف وبناء أسوار عالية بينهم وبين ناسهم، الذين أتوا بهم إلى الحكم كي يتدبروا أمر الجماعة.
الناظرُ إلى الواقع العربي حالياً لا يندهش حين يقارن بين الماضي والحاضر، فكما انهارت ممالك الأندلس الواحدة تلو الأخرى، يأكل الاهتراء حالياً بعض تلك الحواضر بالإيقاع نفسه الذي ساد قبل 800 عام في ما سمي “الفردوس المفقود”، إذ يومذاك ابتلي عرب الأندلس بقادة مترفين وطامعين، لا يهمهم إلا الحفاظ على حكمهم، حتى لو كان على حساب شعوبهم، لذا صاروا في أواخر عهودهم كمن أصابه الطاعون يفرُّ الجميعُ منه، ولا يجد من يُناصره.
من هؤلاء ملك إشبيلية المعتمد بن عباد، الذي نسف كلَّ جسور قوة الدولة التي ورثها عن أبيه، وبدلاً من جمع النوابغ والناصحين والقادة المُخصلين حوله، استعان بمستشارين انتهازيين عملوا على نهب الدولة، وتوهين الحاكم بدفعه إلى الاستعانة بالخارج لصدِّ الثورات التي قامت ضده، بسبب عدم إنفاقه على جيشه وشعبه، واستهتاره وعزل نفسه عن رعيته، فعقد اتفاقية سرية مع ملك قشتالة ألفونسو السادس لحمايته من المعارضين، وملوك الطوائف العربية المحيطة، مقابل تأدية الجزية إليه، والسماح له بالتحكم بأمور البلاد.
حين اشتدَّ عنت ألفونسو على إشبيلية أشار بعض المستشارين على المعتمد بأن يستعين بالمُرابطين الذين كانت لهم دولة قوية في المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين الذي رأى في الأندلس جنة مفقودة، وقادة ليسوا أهلاً لإدارة دولهم، فأمر أحد قادته، ويدعى سيرين، بتجهيز جيش والزحف على إشبيلية، وفي الطريق استولى على بعض الممالك الأندلسية العربية.
استطاع المرابطون كفَّ أذى الفرنجة عن إشبيلية، بعد معركة الزلاقة، حيث هزموا ألفونسو، وبدأوا يتدخلون بشؤون الدولة، حتى وصل الأمر إلى التحكم حتى بالمعتمد بن عباد وأهل بيته، فضجت علية القوم منهم، وأشار المستشارون أنفسهم على ملكهم بأن يطلب من ابن تاشفين سحب قواته، لكن الأخير حذر المعتمد من أنَّ خطر الفرنجة لايزال قائماً، والوضع الداخلي في مملكته لا يُبشر بإمكان استتباب الأمر له، إلا أن المستشارين صوَّروا لابن عباد الأمر على غير حقيقته، وأشاروا عليه برفض ذلك، فما كان من المرابطين إلا مهاجمة جيشه والاستيلاء على المملكة واقتياد المعتمد بن عباد أسيراً إلى المغرب، حيث سُجن في قرية اغمات.
قضى المعتمد بن عباد ما تبقى من حياته في تلك القرية في ضنك وقهر، وكلما طلب أحد من ابن تاشفين تخفيف القيود على أسيره قال: “لا أشعر بتأنيب ضمير على ما أنزلت بهذا الرجل من عذاب، فهو أساء إلى نفسه ودولته ودينه حين اتخذ من الحكم وسيلة للهو والترف وتعذيب شعبه وإهمال الدولة، وعدم الإصغاء إلى الناصحين من قومه والاستعانة بالمُتمصلحين والمُنافقين والكذابين”.
بعد قرون عدة يسر اللهُ للمغرب ملكاً يُدرك جيداً معنى عِبَر التاريخ، هو الملك الحسن الثاني، الذي رمَّم ضريح المعتمد بن عباد، ونقش على شاهد قبره آخر قصائده، التي نعى فيها هذا القائد الأندلسيُّ نفسَهُ، ومنها قوله:
“قَبْرَ الغريب سقاكَ الرَّائحُ الْغادي
حقاً ظفرتَ بأشلاءِ ابنِ عبادِ”.
هكذا رسم هذا الملكُ الأندلسيُّ طريقَهُ إلى تلك النهاية حين انعزل عن شعبه، وترك مستشاريه يتحكمون بشؤون الدولة، وهو ليس فريداً بهذا النهج، بل إنه مسارٌ عربيٌّ قديم- جديد، ويكفي أن ينظر المراقب إلى بعض الدول العربية حالياً ليعلم بؤس النهاية التي تسير إليها تلك الدول، خصوصاً حين يتولى أمرَها مَنْ ليس أهلاً لذلك… إنه زمن الرويبضة في دول قادتها يُقرِّرون غداً وليس اليوم.

You might also like