أَلَمْ يحن الوقت لتعديل الدستور؟

0 68

أحمد الجارالله

وُضِعت الدساتير للتعبير عن هوية المجتمع وتنظيم حياة الدولة السياسية، ولذلك تبقى قابلة دائماً للتطوير وفق ما تقتضيه الضرورة، لا سيما بعد اكتشاف عدم قدرتها على حل الأزمات التي تنشأ من التعارض بين النص والممارسة.
على هذا الأساس عُدل الدستور الفرنسي مرات عدة، حتى أعلنت الدولة الخامسة، فيما في الولايات المتحدة الأميركية جرى تعديل الدستور 27 مرة، بهدف تعزيز قوة المؤسسات، والإفساح في المجال أكثر لاتساع الحريات العامة، الأمر عينه جرى في بريطانيا والمانيا وكندا، وهولندا والهند وغيرها من الدول التي استطاعت تطوير نفسها عبر عصرنة دساتيرها.
وحدها الدول الجامدة الهشة والضعيفة تتحول فيها الدعوة لإجراء تعديلات أزمة كبرى، تصل في بعض الأحيان إلى الحروب الأهلية، لأن هناك أطرافاً ترى في الثغرات الدستورية مصدر قوة لها، لهذا تراجعت تلك الدول ولم تستطع مماشاة التطور، بل تخلفت كثيراً واقتربت من الانعزال حتى عن محيطها.
للأسف الكويت واحدة من تلك الدول التي لم تستطع التغلب على عقبة تطوير نفسها فيما الدستور أقر بضرورة ذلك بعد خمس سنوات من بدء تطبيقه، ووضع المشرعون آلية واضحة لهذا الأمر، غير أنه لم يعمل بها، فيما توالت الأزمات بسبب التفسيرات الخاطئة لمواده، أو لعدم وضوح العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، أو بسبب التغير الكبير بالتركيبة السكانية عما كانت عليه في أوائل ستينات القرن الماضي حين وضع المجلس التأسيسي هذه الوثيقة التنظيمة للدولة.
هذه الإشكاليات تسببت بحل مجلس الأمة مرات عدة، وتعليق العمل ببعض مواد الدستور مرتين، فيما بعد التحرير تحولت العلاقة بين الحكومة والمجلس صراعاً مستمراً بين جبهتين ما أدى إلى التراجع الكبير، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، بسبب إقرار قوانين تتعارض أساساً مع نص وروح أبو القوانين، وتخالف طبيعة المجتمع.
في تلك المرحلة فرضت الظروف الاجتماعية والسياسية المطالبة الشعبية الكبيرة بجعل صلاحيات بيت الحكم نصاً دستورياً، وقيدت الحاكم ضمن أطر محددة، في وقت كان من الأجدر استنتاج العبر من الممارسة لتطوير النص بما يتلاءم مع الحاجات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
معظم الدول حلت تلك الإشكالية من خلال ما سمي برلمان الغرفتين، أي مجلس نواب منتخب، وآخر استشاري، إما يعينه الحاكم وإما ينتخب الشعب نصفه، فيما في الكويت وللأسف أدى التمسك بعدم تعديل الدستور إلى استفحال الأزمات، خصوصاً في ظل التغيير شبه المستمر بالنظام الانتخابي الذي يعزز أحياناً نفوذ قوى سياسية وقبلية وطائفية على حساب المجتمع ككل.
أيا كانت المكانة التي تعطى لتلك الوثيقة تبقى في النهاية مجرد نص قابل للتعديل، ولا يكتسب أي قدسية لأنه من وضع البشر الذين يصيبون ويخطئون، لذا بات من المهم جداً، وبعد سلسلة الأزمات التي شهدتها البلاد بسبب جمود الدستور، العمل على تعديله، وتطويره بما يناسب المرحلة التي وصلت إليها البلاد، ويستحدث نظام الغرفتين، أي مجلس شيوخ، أو سمه ما تشاء، يعينه الحاكم، إضافة الى برلمان منتخب، وتكون لهما سلطة إقرار القوانين والتشريعات، لأن بغير ذلك ستبقى الكويت تخرج من أزمة لتدخل أخرى أشد تعقيداً، ما سيؤدي الى مزيد من إضعاف الدولة، وقبضتها، فيما تزداد سلطة القبائل والطوائف.

ahmed@aljarallah.com

You might also like