إبراهيمنا وإبراهيمهم وقفة

0 38

عبدالنبي الشعلة

ينظر المسلمون إلى سيدنا إبراهيم على أنه الرائد والمؤسس للإسلام، امتثالًا لقوله سبحانه وتعالى: “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.
وقد انفرد الإسلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث بقصة قيام إبراهيم بتكسير الأصنام التي كان قومه يعبدونها، ما أغضبهم، فأعدوا له نارًا عظيمة ألقوه فيها لحرقه والتخلص منه، ولكن الله أنجاه منها: “قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ”.
والذين يؤمنون بـ “عصمة الأنبياء” من المسلمين فإنهم يضفونها بكل فيض على النبي إبراهيم أيضا، إلا أن اليهود في المقابل لا يؤمنون بمبدأ عصمة الأنبياء والرسل أو أنهم منزهون من ارتكاب الكبائر والصغائر، بل إنهم نسبوا، في صلب أقدس كتبهم وهو التوراة، إلى جدهم إبراهيم وأبو أنبيائهم، أفعالًا وصفات ذميمة لا تتفق أو تليق أو تتلاءم مع مقام النبوة والصدق والتقوى، منها أنهم جعلوا الصِّلة التي تربط بين إبراهيم وربِّه من جهة وبينه وبين سائر الناس من جهة أخرى قائمة على المنافع الدنيويَّة، كما تَذهب إلى ذلك أسفارهم.
ويعتقد المسلمون أن التوراة التي يقدسها اليهود قد تم تحريفها، ففي حين أنها تتضمن دون شك الكثير من القيم والمبادئ السامية والوصايا الأخلاقية والإنسانية الفاضلة، إلا أنها تحتوي أيضًا على قصص ومواقف تنطوي على أوجه وحالات واضحة من الأنانية والانحلال الأخلاقي، والزنا وفساد المحارم والخيانات التي يبدو أن أنبياء وشخصيات مقدسة قد اقترفتها، وأن الله قد قبلها، والعياذ بالله، فها هو النبي إبراهيم في كتبهم، يكذب والعياذ بالله أيضًا، وسمح لغيره بمضاجعة زوجته سارة مرتين؛ الأولى عندما توجه إلى مصر وادعى أن زوجته سارة هي أخته، ووافق على أن تصبح زوجة للفرعون، لقاء حصوله على المال كما جاء في التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر: “13 قولي إنك أختي، ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك، 14 فحدث لما دخل إبراهيم إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدًا، 15 ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون، 16 فصنع إلى إبراهيم خيرًا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتن وجمال، 17 فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب سارة امرأة إبراهيم، 18 فدعا فرعون إبراهيم وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟، 19 لماذا قلت: هي أختي، حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هوذا امرأتك خذها واذهب”.
والمرة الثانية تخلى عنها لـ “أبيمالك” ملك جَرار، كما وردت في الإصحاح العشرين من سفر التكوين: 2 وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة. 3 فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل، 4 ولكن لم يكن أبيمالك قد اقترب منها، فقال: يا سيد أَأُمَّةٌ بارَّةً تَقْتُلُ؟ 5 ألم يقل هو لي: إنها أختي، وهي أيضًا نفسها قالت هو أخي؟”.
والتوراة تخبـرنا أيضًا بأن نـزاعًا وخـلافًا نشبا بين اثنين من أنبياء الله الصالحين؛ النبي إبراهيم نفسه، وابن أخيه النبي لوط حول مسائل وأمور مادية متعلقة بالمراعي وحقوق الرعي ما أدى إلى افتراقهما. وما دمنا قد ذكرنا نبي الله لوط، ابن أخ جدنا النبي إبراهيم، فمن أراد أن يعرف العلاقة التي ربطته بابنتيه حسب السرد التوراتي، فما عليه إلا الرجوع إلى الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين.
وكما رأينا فإن ثمة فروقات هائلة في منظومة القيم والسلوكيات التي مارسها جدنا المشترك النبي إبراهيم، وتناقضات حادة وواضحة بين ما جاء في القرآن الكريم وما جاء في التوراة المقدسة؛ بحيث يصبح مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار أمرًا ضروريًا وملحًا عند رسم خارطة علاقاتنا الجديدة مع إسرائيل التي وضعت في القالب الإبراهيمي عند إبرام اتفاقات التطبيع.

وزير العمل البحريني السابق

You might also like