إذا فسد ملح الأمن فسدت الدولة كلُّها

0 241

كتب ـ أحمد الجارالله:
معروف عن الشيخ أحمد المنصور سعيه إلى الإصلاح، وهو من الشخصيات التي تترك آثاراً إيجابية في المكان الذي تحل به ولا ترضى بالظلم، ولذلك فإن توليه منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية يدعو إلى التفاؤل؛ لأن الرجل لا بد أن يعمل على إصلاح أخطاء عدة في عدد من إدارات الوزارة.
لا شكَّ أن الأمن عصب الدولة، فإن أصيبت إحدى إداراته بخلل أدى ذلك إلى شلل الجسد كله، ولنا في التاريخ العربي الحديث عبر عدة في هذا الشأن، منها ممارسات أمن الدولة في عهد جمال عبدالناصر التي أثارت غضب ملايين المصريين من خلال قمعه للناس، وخلق التهم لهم لأي سبب كان، واستخدامها لتصفية الحسابات بين المتنافسين التجاريين، كذلك الاستخبارات العراقية التي حولها صدام حسين مسلخاً لظلم ملايين من شعبه، والخطف والتنكيل خارج سلطة المؤسسات.
فيما كان أمن الدولة في عهد معمر القذافي أشبه بعصابة تمارس البلطجة ضد كل من يفكر أو يحلم بانتقاد أي من الشخصيات المقربة من ضباط الأمن، ومهما كان مركزه أو صفته.
في هذه الدول، وغيرها من الدول القمعية العربية، تحول جهاز أمن الدولة وبالاً على البلاد والشعب، ولهذا عندما حانت الفرصة رأينا حجم الغضب الشعبي على الأنظمة التي لم تضع حداً لممارسات ضباطه، فيما في دول العالم الاخرى، فلا تهمة من دون دليل، ولا يمارس الضغط البدني والعنف والابتزاز ضد أي شخص، بل إذا اشتبه جهاز الأمن في شخص ما فإنه يراقبه، وإذا لم تثبت عليه أي تهمة يبقى حراً، بل ربما لا يعرف أنه خضع للمراقبة.
نعم، جهاز الأمن يمكن أن يدمر الدولة، أو يكون مصدر قوة واستقرار لها، ولقد عرفت الكويت طوال تاريخها بأنها بعيدة كل البعد عن القمع، بل كان جهاز أمنها مصدر فخر لكل من عاش على أرضها، فهي لم تعرف «زوار الفجر»، حتى حين ارتكب بعض الضباط خطأ لم تتوان إدارتهم عن إحالتهم إلى القضاء لينالوا عقابهم، وبعضهم اليوم يقبع في السجن جراء ما عرف بقضية «الميموني»، لانهم تجاوزوا حدودهم القانونية.
معالي الوزير، إن هذه الادارة اليوم تعاني من مخالفات لم تعهدها البلاد من قبل، وهو ما يعني أننا نخاف مما يمكن أن يحدث مستقبلا، لا سيما بعد انكشاف فضيحة الرائد الذي استُدرج وعُذّب، أو استدعاء بعض المواطنين والمقيمين والضغط عليهم للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، وكأن الكويت أصبحت العراق المحكوم من أجهزة أمنية توظفها الميليشيات الطائفية للتنكيل بالمواطنين، وليست حادثة اعتراف زوج عراقي بقتل زوجته وحرق جثتها، فيما ظهرت الاخيرة حية تُرزق، وان الزوج اعترف بالجريمة نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرض له على يد ضباط الامن، إلا مثالاً عما يمكن أن تصل اليه ممارسات تلك الأجهزة بعيداً عن القانون.
من المستغرب أن يصل الامر في الكويت إلى حدود الظلم الذي يفوق الوصف، خصوصا أن جهاز أمن الدولة هو الادارة المعنية بحماية الامن القومي، لكن يبدو أن ثمة إهمالا من مدير الجهاز ما جعل الضباط يفعلون ما يحلو لهم، ويتاجرون بنفوذهم، فيما لا نخفيك يا معالي الوزير ان وسائل الاعلام الكويتية باتت تخشى من أن يصل ذلك إلى كم الافواه، والضغط لحجب المعلومات، أو تلفيق التهم للصحافيين والاعلاميين، أو ممارسة الضغط حتى على النواب المنتخبين من الشعب.
معالي الوزير الإصلاحي، إن تدارك الخطأ ووقف التمادي فيه هو نصف العلاج، فإن صلح الأمن اصطلحت الدولة كلها، لأنه ملحها الذي لا يجب أن يفسد، لذا نتمنى أن يكون هذا الامر أول الملفات التي تعمل على إصلاحها حتى لا تصبح الكويت دولة قمعية، كما كانت ليبيا القذافي، والجزائر والعراق، وغيرها من الدول العربية.

You might also like