إلى السلطة… سأل الممكن المستحيل: أين تُقيم؟ فأجاب: في أحلام العاجز

0 133

أحمد الجارالله

فيما الأحداث في البلاد كرة ثلج متدحرجة تكبر يومياً، تبدو السلطة أقرب إلى الغياب عن الوعي، فلا هي بادرت إلى تذويب الكرة والسعي إلى إنهاء الأزمة، ولا شرعت أبوابها لسماع أصوات الناس التي بحت، في وقت يزداد فيه غموض حساباتها، أهي تعمل على ترتيب الأمور وإنهاء الأزمة من جذورها، أو العناد؟، وهو ما لا يتمناه الكويتيون، لأن الزمن لم يعد يصلح لذلك، خصوصاً في ظل الظروف المعقّدة التي تمر بها البلاد والمنطقة والعالم، إذ لم يعد لدينا ترف الوقت للتسلي بحلول مجتزأة، تزيد الطين بلة.
للمرة الأولى في تاريخ الكويت السياسي تكون هناك غالبية نيابية مطالبة بحل مجلس الأمة والعودة إلى صناديق الاقتراع، ورحيل الحكومة وتشكيل أخرى أكثر قدرة على العمل والإنجاز، بعدما كابد الكويتيون طوال ثلاث سنوات من فشل وتخبط مجلس وزراء لم تكن لديه القدرة على ممارسة أبسط صلاحياته.
هذان المطلبان ليسا من المستحيل تحقيقهما، بل هما المخرج الطبيعي من أزمة يبدو أن هناك من يتعمّد إطالتها، فيما يتبرأ منها المتسبّبون، ويتحمّل خسائرها الشعب البريء الذي لا ناقة له ولا جمل في صراع الديوانيات، أكان بين النواب أنفسهم، أو بينهم وبين الحكومة.
أيضاً للمرة الأولى في تاريخنا السياسي يكون هناك اعتصام نيابي في مجلس الأمة، وبهذا العدد الآخذ بالتزايد، في وقت عادت الديوانيات لتستعيد مشهد العام 1986، لكن بلغة حادة أكثر، واصطفافات لم تشهد مثيلها البلاد طوال 400 عام، ما يجعلنا نخاف من أي تطورات دراماتيكية لا يعلم إلا الله وحده إلى ماذا تؤدي.
لقد أثبتت التجارب أن الكويتيين ليسوا شعباً متطلباً، بل أقصى طموحاتهم حالياً أن يكون بلدهم في مستوى دول “مجلس التعاون” الخليجي، ولديهم حكومة مثل حكوماتها، وهو أمر ليس صعباً لتقف عنده السلطة متهيبة فلا تقدُم على خطوة إصلاحية كبيرة، لا شك ستكون محل إجماع شعبي، لا أن تدفع الناس إلى لحس المبرد بمزيد من اللامبالاة، وترك الأمور التنفيذية على غارب أمزجة الوزراء، لا سيما وزراء السيادة، الذين توسم بهم الناس خيراً، إلا أنهم جمعوا في المؤسسات كل أهلهم ومؤيديهم، حتى كثرت فضائحهم، وعجت بها وسائل الإعلام وقاعات المحاكم.
نعيد للمرة الألف ربما التذكير بالمثل الإيطالي “إذا وجدت رغبة وجد الطريق”، ولقد لمسنا ذلك في الأيام الأخيرة، إذ عندما وجدت الرغبة بدفع منحة المتقاعدين، اجتمع المجلس بحضور الحكومة، وخرقا الدستور وأقرا القانون الذي انطوى على منفعة مشتركة للطرفين، رغم أن المنحة حق للمتقاعدين، لكنها دفعت بعد منّة وإذلال، فيما تناسى الذين أظهروا أنفسهم أبطالاً الآية الكريمة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ …”.
أليس مخجلاً هذا التكسب بوجع الناس، والتلهي بأمور ثانوية، فيما المنطقة والعالم ينظران إلى الكويت بوجل، المفروض من سلطتها المبادرة إلى معالجة المشكلات بأريحية، وتبعد عن البلاد كل التهديدات الداخلية قبل الخارجية؟
قيل قديماً: “سأل الممكن المستحيل: أين تقيم؟ فأجاب: في أحلام العاجز”، واللبيب من الإشارة يفهم.

ahmed@aljarallah.com

You might also like