إيران… وسياسة التيس الذي ينطح الجبل بقرنيْه

0 117

يُحكى أن ملكاً أرسل بعض حرسه لإحضار أحد مستشاريه في ساعة متأخرة من الليل، ولما جاء الرجل، قال له الملك بصوت مرهق: “اسمع أيها المستشار، لقد اخترتك من بين الجميع لمعرفتي التامة بأنك أرجحهم عقلاً وأشدّهم ذكاءً”.
وأضاف: “هناك سؤال يؤرقني، وأريد منك إجابة عنه: أيهما أفضل الحظ أم القداسة؟
فقال المستشار، ومن دون مقدمات: “القداسة طبعاً يا مولاي”!
ضحك الملك، وأردف: سأدحض رأيك بالدليل، أو تُثبت لي رأيك وبالدليل!
صباح اليوم التالي، خرجا معاً إلى أحد الأسواق، ورأى الملك حمَّالاً بائساً، فأمر الحرس بجلبه إلى القصر، وإطعامه وإلباسه الحرير، ثم جعله وزيراً، وأمر بإدخاله إلى مجلسه، وقال للمستشار: أيهما أفضل الآن الحظ أم القداسة؟
فأجاب المستشار: أعطني فرصتي يا مولاي لأثبت لك أن رأيي الأصح، وخرج إلى السوق وإذا به يرى حماراً هزيلاً وسخاً ومنهكاً من التعب، فاقترب منه وبدأ يتحسسه ويتلمسه، والناس ينظرون إليه باستغراب حتى تجمهروا حوله، ثم قال بصوت عالٍ: أيها الناس، أتعلمون أن هذا الحمار طالما حمل على ظهره أحد المقدسين، وقد ذُكر وصفه في كتب كثيرة ورُويت قصته نقلاً عن فلان ابن فلان، هذا الحمار له كرامات. وما هي إلا لحظات حتى أصبح الحمار الأجرب مزاراً، وبدأ الناس يتبرّكون به.
عاد المستشار إلى الملك وقال: الآن يا مولاي، أيهما أفضل؟
طأطأ الملك رأسه، فابتسم المستشار، وقال: “أتعلم يا مولاي ما الفرق بين الحظ والقداسة؟ أنت ألبست هذا الحمال ثوب العافية والمال والسلطة، وهو ثوبٌ زائلٌ لأنك تستطيع سلبه إياه، أما أنا فقد ألبست الحمار ثوب القداسة ولا يمكن أن يسلبه منه أحد، حتى أنت”!
لا شك أن هذه القصة تنطبق على وضع نظام الملالي حالياً، فقد راهن على الإدارة الأميركية الجديدة، معتمداً على ضربة حظ بأن تكون مختلفة عن سابقتها، غير أنه اصطدم بالمصالح الستراتيجية المقدسة للولايات المتحدة التي لا يمكن أن تتغير بتغير الأشخاص.
من يُطالع سير فريق بايدن الحالي يجد صقوراً لا يمكنهم القبول باستمرار العبث الإرهابي الإيراني في الإقليم والعالم، كما أنهم يدركون الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها إدارة باراك أوباما بضخ الأوكسجين، من خلال الاتفاق النووي، في رئتي نظام كاد يختنق بالعقوبات، وكيف عادت عليهم بالخسارة في الداخل الأميركي، إذ رغم السياسة المتشددة التي اتبعتها إدارة ترامب حيال إيران إلا أنها كلفت الولايات المتحدة الكثير من الخسائر بإطالة عمر الأزمة، وبالتالي فإن العودة إلى ذلك الاتفاق مجردة من أي تبعات أخرى ستكون ضربة قاصمة للمصالح الأميركية، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم، لأن أي تنازل يقدم على طاولة المفاوضات مع طهران، ستتبعه تنازلات مع عواصم أخرى.
استناداً إلى تلك الحقيقة التي أثبتتها مواقف المسؤولين الأميركيين، جاء رد الفعل الإيراني من وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي اعترف علناً بتمويل بلاده للميليشيات الموالية لها في المنطقة، مبرّراً ذلك بأنه إنفاق من أجل السياسة الخارجية.
هذه الرسالة مرسلة إلى الولايات المتحدة، مفادها أن عدم الرضوخ لشروط طهران يعني تحريك هذه العصابات لمزيد من الإرهاب، ولقد رأينا كيف عادت الروح إلى “داعش” عبر الهجمات الأخيرة ببغداد وبعض المناطق العراقية، والمواجهات العسكرية المسرحية بين “الحشد الشعبي” والتنظيم الإرهابي، والهدف منها القول إن إيران لاعب إقليمي مهم، وشريك في محاربة الإرهاب، لكن فات الإيرانيون أن هذا الإرهاب هو صنيعتهم، وبالتالي فإن الحيلة لن تنطلي إلا على أصحابها.
اليوم يُدخل نظام الملالي بلاده نفقاً جديداً من المماطلة والتسويف على أمل الهروب إلى الأمام من مواجهة الوضع الداخلي المعقّد جداً، والأزمة المعيشية الطاحنة، عبر الإيحاء بأن أي تقدم يتحقق في المفاوضات مع الولايات المتحدة هو انتصار إيراني، فيما الواقع أن لا مفاوضات إلا وفق الشروط الأميركية والدولية والإقليمية، ولذلك فإن السياسة الإيرانية الحالية أشبه بتيس ينطح جبلاً بقرنيه، فيتكسران ويُدمي رأسه، بينما يبقى الجبل جبلاً.
ما يجب أن يفهمه نظام الملالي، أن الرهانات على ضربات الحظ لن تُغير من الواقع شيئاً، لذلك فإن عودته إلى الساحة الدولية تبدأ من التخلي عن أحلام ليالي الصيف التي لن تتحقق.

أحمد الجارالله

You might also like