اخرج من جلباب رؤساء الحكومات السابقين يا سمو الرئيس … الخطبُ المُنمَّقة قتلٌ بطيءٌ لطموحات شباب الوطن

0 117

أحمد الجارالله

في الشَّكل، خطابُ سمو رئيس مجلس الوزراء الأخير يبعث السرور في نفوس الكويتيين، الذين يبحثون عن مُتنفس كي يُطلقوا زفرة أمل بوجه تقطيع الأنفاس الاقتصادي الذي أطبق على صدورهم.
لكن في المضمون، فلا جديد، فهو منسوخ عن خطب رؤساء الوزراء السابقين، ربما مع رفع العيار قليلاً، لكنه في النهاية يبقى كلاماً نسمعه منذ خمسة عقود، بينما لم يتغير شيء، فالحكومة تدور في حلقة مُفرغة يدفعها إليها مجلس الأمة في بداية كلِّ فصل تشريعي جديد، وهي لا تقوى على الخروج منها، إما بسبب “الريح في بطن بعض الوزراء”، وإما خوفاً من صعود منصة الاستجواب التي باتت أشبه بالمقصلة السياسية للوزراء، لذا “كأنك يا بوزيد ما غزيت”.
ولأن الدولة قرار رجال يُدركون ماذا يعني التقدم والتطور، وبالحد الأدنى الحفاظ على ما تحقق سابقاً، فإنَّ التعلم من الآخرين والاقتداء بهم ليسا مذمة، فما نواجهه اليوم يكاد يشبه المرحلة التي مرَّت بها اليونان ومصر وبريطانيا، وغيرها من الدول، حيث بادر قادتها إلى اتخاذ قرارات مؤلمة موقتاً، لكنها حمت مصالح السواد الأعظم من الشعب.
في تلك الدول لم يطلب رؤساء الحكومات من موظفي الدولة وضع برامج عمل لدوائرهم، بل استعانوا بخبراء مُحنكين، وضعوا إطاراً عاماً لعلاج اختلالات تواجهها البلاد، ففي حين لم تتوان القيادة السياسية المصرية عن تعويم الجنيه، ورفع سعر الرغيف، قدَّمت الكثير من الامتيازات لحماية أصحاب الدخل المحدود، فيما اليونان أجرت عملية جراحية لاستئصال الداء عبر خطة تقشف كبيرة، وخفضت الدين العام إلى نحو 8 في المئة بداية، واستطاعت بعد أقل من خمس سنوات التغلب على مصاعبها المالية، بينما بريطانيا واجهت أسوأ ركود منذ أربعين عاماً بضخ 30 مليار جنيه في أسواقها، وعدلت خططها المالية لتتناسب مع الظروف الصعبة، لكن للأسف كل هذا لم تستفد منه الكويت الخائفة حكوماتُها من صياح نواب أنصاف مثقفين اقتصادياً وسياسياً يهدفون إلى اقتناص المزيد من المكاسب على حساب المواطن والدولة.
هؤلاء النواب الذين كبَّدوا البلاد خسائر هائلة أكان في مشروع “الداو”، أو حقول الشمال حين ارتعبت الحكومة، آنذاك، من تهديد نائب وقوله: “المشروع لن يمر إلا على جثتي”، ما أدى إلى ضياع نحو 150 مليار دولار، ونحو 20 ألف وظيفة للكويتيين، فيما في المقابل ذهب المشروع إلى المملكة العربية السعودية التي حصَّلت منه أرباحاً هائلة، أولها ارتفاع سعر سهم “الشركة” من نحو ستة دولارات إلى نحو 40 دولاراً، إضافة، طبعاً، إلى الأيدي العاملة الوطنية التي استوعبتها في المشروع.
للأسف، حكوماتُنا لا تتعلم حتى من الدروس الذاتية، ففي الوقت الذي فرض فيه تيار سياسي متخلف رؤيته على المجتمع من خلال مشروع منع الاختلاط، وكلف الدولة، ولايزال يُكلِّفها، مئات ملايين الدنانير سنوياً، فإن التيار نفسه أيضاً استطاع فرض إقفال البلاد بوجه المستثمرين الأجانب عبر قوانين تخلت عنها كلُّ دول العالم، وربما لن تسير بها “طالبان”، اليوم، التي تبحث عن سبل للانفتاح، بينما كل يوم يخرج علينا هؤلاء باقتراحات قوانين ما أنزل اللهُ بها من سلطان.
من هنا نسأل سمو الرئيس: هل هذه هي الكويت المنتظرة؟ أو هل بهذه الشبكة التشريعية ستتحول البلاد مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً؟ وهل حكومة ترتعد فرائصُها من صرخة نائب ستستطيع محاسبة موظف مدعوم من مفتاح انتخابي، أو ممن يروجون لمقولة: “هذا ولدنا حطه على يمناك”، أو وقف تعيين بين 15 و30 سكرتيراً لكلِّ نائب؟
الإصلاح يبدأ بقرار حازم، يُعالج كلَّ الاختلالات التي تسببت بها تلك القوانين، أكان في تطوير التعليم ووقف منع الاختلاط، أو تعديل قانون الجنسية والإقامات، وقانون الاستثمار الطارد لرؤوس الأموال المحلية قبل الأجنبية.
يا حبَّذا أن تُصغي سموك إلى غالبية الكويتيين الذين يُرددون ليل نهار: “إذا كان مجلس الأمة هو من يعيق التنمية في البلاد، فحلوه، بل اقفلوه”، فلن تكون الديمقراطية الشكلية أغلى من الكويت، وحرية الشتم ورمي الاتهامات ليسا أهم من مستقبل شباب الوطن، الذين بدأوا ينزحون إلى الخارج طلباً لفرص تهدر عنوة في بلدهم؛ لأنَّ الحكومة ليس لديها إلا الخطب المُنمقة التي لا تغني ولا تُسمن من جوع، بل هي قتلٌ بطيءٌ للطموحات، وهدرٌ للوقت، وربما لعبٌ بمصير الوطن.

You might also like