استثمروا بالعقول والطاقات واخرجوا من قوقعة العنصرية

0 60

أحمد الجارالله

لأن المبدع أغلى ما يمكن أن تحصل عليه دولة ما، فإن المنافسة على الريادة العلمية باتت هدف كل المجتمعات الساعية إلى التطور، وعلى هذا الأساس أتى الأمر الملكي السعودي بفتح باب تجنيس الكفاءات الشرعية والطبية والعلمية والثقافية والرياضية والتقنية، ليسهم في تعزيز التنمية، ويعود بالنفع على المملكة في المجالات المختلفة.
لقد كانت باكورة هذا القرار منح الجنسية لمجموعة من العلماء في المجالات كافة، للاستمرار في تجديد الدماء وتوسيع دائرة المنافسة محلياً ودولياً.
قبل السعودية كانت دولة الإمارات قد عدّلت قانون الجنسية أيضاً، وسمحت بمنحها للمستثمرين والعلماء والأطباء، إضافة إلى منحها الإقامة الذهبية لعدد كبير من الكفاءات الأجنبية.
هاتان الدولتان وغيرهما كثير في العالم تسعى إلى توطين الكفاءات العلمية، واستقطاب الأيدي العاملة، عبر منحها الجنسية لأنها ترى فيها قيمة مضافة للمجتمع، فالولايات المتحدة الأميركية، تمنح سنوياً ما يزيد عن 250 ألفاً جنسيتها، ولقد رأينا خلال حرب تحرير الكويت عشرات آلاف الجنود الذين يحملون الجنسية الأميركية، وهم من أصول آسيوية وأميركية لاتينية، وعربية.
هذه الدول تصنع تقدمها بالانفتاح على الآخر، وليس الانعزال على الطريقة النازية التي جعلت العرق الآري مقياساً للانتماء، ولذلك أعدمت عشرات الآلاف من أساتذة الجامعة، والخبراء الذين لم يكونوا من أصول آرية، فيما فر الملايين من ألمانيا، وباتوا صناع حضارة الدول التي حلوا فيها.
للأسف إن الكويت التي كانت سبّاقة للانفتاح على العالم أخذت بالتقوقع على ذاتها حين استعرت نار العنصرية على نحو لم يسبق له مثيل في العقود الثلاثة الماضية، وبدلاً من منح الجنسية، أو الإقامة الدائمة لكل من خدمها، اتخذت سلسلة قرارات تنم عن جهل، بل عداء للمصلحة الوطنية، وكان آخرها منع تجديد إقامة كل من بلغ الستين عاماً من الوافدين.
حين بدأ تنفيذ هذا القرار اكتشفنا فجأة حجم خسارتنا لخبرات كثيرة، بل الأنكى من ذلك أن هناك من ينظر لمن أفنى عمره بخدمة هذا البلد نظرة دونية، لذا بات عادياً أن تسمع من شخص ما أو تقرأ في مقالة لكاتب عبارة” بدلاً من منحه الجنسية أعطه بضعة دنانير وقل له الله معك”، وكأن البلاد تعج بالعلماء والخبراء، وليست بحاجة الى كل يد عاملة، وإذا كانت حجة البعض الخوف من مطالبة هؤلاء بالرعاية السكنية، يمكن منح الجنسية بشروط، والاستفادة من الطاقات البشرية.
على أصحاب هذا الفكر الشوفيني رؤية ما وصلت إليه دول الخليج الأخرى من تقدم وتطور والتخلي عن تزمتهم، فهذا المنطق هو من جعل من نحو 120 ألف نسمة، أقصد”البدون”، يعيشون على الهامش، فيما هم أبناء هذا البلد، بالولادة والانتماء، وغالبيتهم خدموا أو يخدم في سلك الشرطة والجيش،رغم ذلك تمنع عليهم أبسط الحقوق الإنسانية، كالتعليم والطبابة، وغيرها، فيما أصبحت هذه القضية علامة سوداء للكويت في العالم.
أليس منع الكويتية المتزوجة من أجنبي من منح جنسيتها لأولادها الذين ولدوا وعاشوا وتعلموا في الكويت، ولا يعرفون وطناً غيره، من أكثر القوانين ظلماً، بينما الأجدر منح زوجها الجنسية لأنه، على الأقل، ساعد على خفض نسبة العنوسة في البلاد.
لقد آن الأوان كي تحل كل هذه الإشكاليات التي تسببت بها رؤى قائمة على منطق التميز العرقي والعنصري الذي تخلى عنه العالم أجمع، وأن تبدأ الكويت الإعداد للمستقبل والسير بالركب الذي تسير فيه دول الخليج الأخرى، وتخرج من عتمة ما يُسمى نقاء الهوية التي تتسبب بالمزيد من الخسائر على الصعد كافة.

ahmed@aljarallah.com

You might also like