الأرنب فيروزة غَلَبَتْ بالحكمة ملك الفيلة… وبعض حكام العرب قادوا بالغرور دُوَلَهم إلى الهلاك

0 190

التاريخُ المُزوَّر مأساةُ العرب الحقيقية؛ لأنهم صدقوا كلَّ تلك الأكاذيب، لذلك راحوا يستنسخون الأوهام في كل شيء، حتى أساليب الحكم والمشكلات، فيما لو تجرأوا على التفكير فإنهم يستنسخون الحلول المُشوَّهة، المأخوذة عن الأولين بكلِّ عللها، لذلك فشلوا ودفعوا بدولهم إلى الأزمات، حتى كادت دولهم تضمحل، وفيما شعوبهم شارفت على اليأس من عدم وجود ما يوحي بالخلاص.
ولأنَّ الحكمَ في العالم العربي عقيمٌ، فإنَّ المُتزلفين هم الأقرب إلى الحاكم، وأصحاب الرأي السديد يُبعدونهم عنه كي لا يُكدِّروا خاطره، لذا فالمتأمل بواقعنا العربي يُدرك جيداً مدى ضعف الأنظمة في مواجهة المشكلات والبحث عن حلول واقعية لها.
في هذه المناسبة تحضرني قصة الفيل والأرنب فيروزة في كتاب “كليلة ودمنة”، إذ يُحكى أنَّ جماعة من الفيلة كانت تعيش في أرض كثيرة الخضرة، وفيها نبع ماء عذب، تشرب منه، فجفَّ النَّبع واشتدَّ عطش الفيلة، حتى كادت تهلك، فشكت أمرها إلى ملكها الذي أرسل رسله للبحث عن الماء، وبعد حين عادوا إليه ليُخبروه أنهم وجدوا عيناً يُطلق عليها “عين القمر” وتقع في أرض الأرانب.
قاد الملك رهطه إليها، وفي الطريق داست الفيلة جحور الأرانب فهدمتها، وقتلت عدداً كبيراً منها، فزعت الأرانب وأسرعت الناجية منها تستنجد بملكها الذي عجز أمام تلك الحيوانات الضخمة التي تتردد كلَّ یوم علی العین تشرب غير عابئة بهدم جحور الأرانب وقتلها.
كانت من بين الأرانب واحدة ذكية، معروفة بحسن الرأي، یُطلق علیها فیروزة، فتقدمت من ملكها قائلة: “لقد أتتني حيلة أيُّها الملك، وأنا واثقة أنها ستدفع خطر الفيلة عنا”، وأردفت: “أريد أن تبعثني إلى ملك الفيلة، وتختار من يُرافقني حتى يرى ويستمع إلى ما أقول”.
أجاب الملك: “أثق بذكائكِ ورجاحة عقلكِ، سوف أرسلكِ، واختاري من يرافقكِ؛ حتى یسمع ما تقولين، ويرفعه إليَّ”.
واستدرك قائلاً: “لكن اعلمي أنَّ الرسول برأیه وعقله، یُخبر عن عقل من أرسله، فعليكِ باللين والرفق والتأني، فالرسول يُلين الصدور، وهو من يُشعلها، أيضاً، فيثير العداوة والبغضاء إذا كان أحمق غير رفيق”، فقالت: “اطمئن، فأنا من النوع الشفيق بشعبي”.
انطلقت فيروزة لمقابلة ملك الفيلة، يتبعها الرسول الذي اختارته، فوصلت إلى مملكته ليلاً، ومن حسن حظها أنَّ القمر كان ساطعاً، ومن بعيد رأت الفيلة بأرجلها الضخمة وأجسامها العملاقة، فخافت أن تقترب كي لا تدوسها وتقتلها، لذلك صعدت قمة جبل مُطل على أرضها، ونادت ملك الفيلة، الذي نظر إليها قائلاً: “من أنتِ؟ ومن أرسلكِ؟”.
قالت: “أنا رسولة القمر، أرسلني لأبلغكِ رسالته، والرسول غير ملوم في ما يبلغ عمَّن أرسله”.
فقال: “صدقتِ، ما الرسالة؟”.
أجابت: “يقول لك القمر: إنّ من عَرَف مدى قوته على الضعفاء وبطشه بهم، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء، وظنَّ أنهم مثل الضعفاء، كانت قوته نكبة عليه وسبب هلاكه”.
دهش الملك، وقال: “زيدي الأمر وضوحاً؛ حتى أفهم الرسالة”.
فقالت: “يقول القمر إنك قد عرفت مدى قوتك على الحيوانات الضعيفة، فرحت تدوسها وتدهسها تحت أقدامك، وهي عاجزة عن الدفاع عن نفسها، ويبدو أنَّ ذلك قد دفعك إلى الغرور، ولذلك فأنت ذهبت إلى عين تسمی باسمي “عین القمر”، وتجرأت علی الشرب منها وتعكیر مائها، وهذا يُغضبني بشدة”.
فسأل مبهوتاً مما يستمع: “وما مطالب القمر؟”.
قالت: “لقد أرسلني إليك؛ حتى أنذرَك وأحذرَك؛ كي لا تعود إلى الشرب من تلك العين مرة أخرى”.
فأجاب بتحدٍّ: “وإذا فعلت فماذا يستطيع أن يفعل؟”.
قالت: “إذا عُدت إلى عينه مرة أخرى سوف يعمي بصرك، ويعمل على هلاكك”، فقال مستنكراً: “أشكُّ أن القمر يفعل ذلك”. أجابت: “إذا لم تكن مصدقاً، فتعال معي إلى العين، وجرب أن تشرب منها مرة أخرى”، فقال وهو غير مبالٍ: “هيا بنا”.
انطلق ملك الفيلة بصحبة الأرنب فيروزة إلى العين، حيث نظر فيها، فرأى صورة القمر منعكسة على سطح الماء، وخيل إليه أنه جالس في البئر، فتملكه الخوف، ولم يجرؤ على الشرب، ولما رأت فیروزة خوفه وتردده قالت متهكّمة: “منذ قليل كنت ترعد بصوتك، وتقول إنَّ أحداً لن يمنعك الشرب من العين، والآن أراك تقف بعيداً متردداً، هل تراك خائفاً من القمر، أم أنك جبنت عند لقائه؟”، فقال بصوت راعد: “لا… أنا ملك الفيلة، لا أجبن عن لقاء أحد”.
فقالت: “أرني إذن شجاعتك وقوتك يا ملك الأدغال، هیا مد خرطومك واشرب إن كنت شجاعاً كما تزعم”.
ولكي یداري الفیل خوفه أمام الأرنب فیروزة، ویظهر لها مدی قوته وشجاعته، تقدم وبمنتهى الحرص والحذر أدخل خرطومه في الماء الذي تحرَّك فاهتزت صورة القمر، فخيل له أنه غضب، فسحب خرطومه وتراجع بسرعة، ونظر إلى فيروزة قائلاً: “يبدو أن القمر قد غضب فعلاً لاعتدائي علی عین مائه”.
فقالت لتزید في رعبه: “لقد همَّ أن يُعاقبك بقطع خرطومك، لكنه فضَّل أن يُعطيك فرصة أخيرة، حتى تكُف عن حماقتك وتعاهده ألّا تعود مرة أخرى إلى العين، وإلّا أهلكك أنت وكل الفيلة”.
فقال الملك في رجاء واستعطاف: “أرجوكِ، قولي له ألّا يفعل، وأنا أعاهده ألّا نعود إلى الشرب من هذه العين”.
نظرت فیروزة إلی صورة القمر، التي استقرت مرة أخرى فوق سطح الماء وقالت: “لقد وافق على عدم إيقاع الأذى بك، أو بأحد من الفيلة مادمتم لن تعودوا إلى الشرب من عينه”، وهكذا انصرف الفيل إلى رهطه ومنع الفيلة من العودة إلى الشرب من تلك العين.
في كثير من الأحيان تكون الفيلة مشكلات لم يُحسن الحاكم تدبُّر الحلول لها؛ لانه لم يستشر، أو يسمع الآراء التي لا توافق هواه، فيما حكمة الأرنب فيروزة أوقعت الخوف في نفوس أعظم الحيوانات، وأنقذت أرضها، وأعادت الاستقرار إلى قومها، وحافظت على مصدر حياتها، وهو عين الماء.
كم أرنباً على شاكلة فيروزة الحكيمة يحتاج العالم العربي؟ وكم حاكماً يخاف على مستقبل بلاده على استعداد للأخذ برأي الحكماء؟

أحمد الجارالله

You might also like