الأطفال… ضحايا الاغتيال الرقمي أطباء ومتخصصون أكدوا أنهم يتحوَّلون دُمى تُحرّكها الهواتف الذكية ويُصابون بالتوحد

0 856

كل ساعة يتعامل فيها الأطفال مع التكنولوجيا تؤخّر عمرهم العقلي يوماً

استخدامهم المبكر للهواتف الذكية يُصيبهم بالعزلة و”الرهاب الاجتماعي”

التكنولوجيا تفقدهم القدرة على التواصل مع الغير ويحتاجون علاجاً مطولاً

ثلاث مدارس تبنت آراءً مختلفة في التعامل مع الأطفال لتنمية مهارات التواصل

القاهرة – عمر حسن:

حذرت الأكاديمية الأميركية، من منع الرضّع حتى السنتين من العمر استخدام التكنولوجيا نهائيًا،مشددة على ضرورة تحديد وقت للأطفال من 3الى 5 سنوات بمعدل ساعة يوميًا لاستخدام الأجهزة الالكترونية كالهواتف والأجهزة اللوحية بأنواعها، مبينة في الوقت نفسه أن الأطفال يستخدمون تلك الأجهزة بمعدل خمسة أضعاف المدة الموصي بها.
في المقابل، بيّنت دراسة ألمانية أُجريت في جامعة “لايبزغ”، نشرتها “المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة” أن استخدام الأطفال للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية يؤدي إلى حدوث فرط نشاط وشعور باللامبالاة وزيادة نوبات الغضب، فيما أشار مقال بحثي بعنوان “الاستخدام المرضي لألعاب الفيديو بين الأطفال من عمر 8 لـ18 عامًا”، أن واحدًا من كل 11 طفلًا من من هذه الفئة يصل ارتباطه بالتكنولوجيا حد الإدمان.
في السياق نفسه، أكد عدد من الأطباء والمتخصصون في علمي النفس والاجتماع والتخاطب في لقاءات أجرتها “السياسة” معهم أن الاطفال يقعون ضحايا الاغتيال الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، مؤكدين أنهم يتحولون إلى دمى تحركها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، الأمر الذي يصيب الكثيرين منهم بالرهاب الاجتماعي والتأخر العقلي والتوحد وفقدان التواصل مع الآخرين، داعين إلى ضرورة العناية بالأبناء واصطحابهم للأماكن المفتوحة بشكل يعوّض العُزلة التي تطوّقهم بها التكنولوجيا، وفيما يلي التفاصيل:
بداية تستعرض إحدى الامهات تجربتها مع طفلها فتقول: “بيدين صغيرتين تتفرع منهما أصابع ليّنة أبصر صاحبها نور الحياة حديثًا، يعبث ابني “ريّان” -الذي لم يُكمل بعد عامه الأول – مع الهاتف الذكي الذي تركته بحوزته ريثما أنتهي من أعباء الواجبات المنزلية، وأنا أتمتم بكلمات الشكر سرّا لصاحب ذلك الاختراع المُذهل الذي تمكّن من إلهاء طفلي وأسر خياله الجامح.
تضيف، مرت الأيام وكبٌر الطفل في معيّة الهاتف الذكي، الذي يٌمتع عينيه الصغيرتين برسوم مٌتحركة ومقاطع فيديو تملؤها الحيوية، يغرق “ريّان” في تفاصيلها ويسرح بخياله لينفصل عن واقعه الذي لم يعد يلمسه، فقد أصبح الهاتف الذكي أقرب إليه من أمه، حتى اكتشفت الكارثة التي أفقدتني التوازن وأيقنت أن الأمور لا تسير مع طفلي على ما يُرام، فقد وُلد “ريّان” طفلًا طبيعيًا، يتفاعل مع مجتمعه الصغير بإشارات تُناسب عُمره البالغ حينها 6 أشهر،وما إن بدأت الهاءه بالهاتف الذكي لإسكاته عن البكاء، حتى بلغ عامًا ونصف العام من عمره، ظهرت عليه آثار التحوّل الغريب، تمثلت في بكاء الطفل بشكل متواصل أو ضحك مستمر من دون سبب لمدة ساعتين، وانقطاع تام عن النطق، بعدما كان يتحدث بعض الكلمات شبه المفهومة، إضافة إلى الرغبة في الجلوس منفردًا وسط الظلام، والانعزال في غرفة مع الهاتف الذكي، والتشنج ببكاء هيستيري في حال انتزاع الهاتف من يديه، كلها أعراض دفعتني لسرعة التوجّه للطبيب الذي أخبرني بإصابة طفلي بمرض التوحّد.
وتضيف، الأم بنبرة تحرقها الألم، “كان من الممكن أن نعالج ريّان الذي يبلع حاليا 8 سنوات، بسهولة من التوحد، لولا استخدامه المبكر للهاتف، وجلوسه لفترات طويلة غارقًا في تفاصيله، حتى انفصل عن واقعنا وتوحّد مع الهاتف، التكنولوجيا خلقت عالمًا وهميًا في ذهنه، ولم يكن يستجيب لنداءاتي المتكررة له، وكأنني أناديه من عالم آخر، حيث أصبح يعاني تأخرًا في قدراته العقلية، نتيجة قصور التواصل في طفولته المبكرة وحتى عمر سنتين بفعل الاستخدام المبكر لـ”الموبايل والتابلت”، مما عزّز جينات مرض التوحّد لديه، وعرقل مراحل العلاج بعد عمر السنتين، حاليا يتكلف الطفل عناءً شديدًا لتوصيل المعلومة إلى الطرف الآخر، بعدما كان ينطق بكلمات في عمر السنة والنصف، كما أخبرني الأطباء أن نقص الوعي، دفع بـ”ريّان” للدخول في علاج طويل قد لا يُجدي نتائجه بفاعلية كاملة نتيجة عدم الملاحظة المبكرة للأثر السيئ للتكنولوجيا “.

اللغة الاستقبالية
في هذا الاطار، ذكرت أستاذة التخاطب، الدكتورة رانيا صلاح أبرز الأعراض على وقوع الأطفال فريسة التوحد بسبب التكنولوجيا، من بينها عدم قدرة الطفل على التفاعل مع مصدر إلهاء صوتي أو بصري وهو في عمر الشهور، فمثلًا لا يُحرك عينيه مع “سلسلة مفاتيح”، فلا يصدر أصواتًا غير مفهومة وهو في ذلك العمر في محاولة منه للتعبير عن نفسه صوتيًا. مشيرة إلى أنه في عمر سنة يجب أن يتحدث الطفل بـ 10 كلمات على الأقل، وفي عمر سنتين يجب أن ينقل الطفل معنى 200 كلمة، حتى وإن لم يمتلك القدرة على نطقهم بشكل صحيح، لكن كل كلمة تحمل معنى شبه مفهوم للمحيطين، يجب أن يمتلك الطفل القدرة على توصيل معان 500 كلمة وهو في عمر “عامين ونصف”، مما يعني أن عدم توافر تلك القدرات يُشكل مصدر قلق للأبوين تجاه طفلهم.
وأضافت توجد شعرة دقيقة بين الحرمان البيئي والتوحّد، رغم تشابه المرضين في الأعراض نفسها تقريبًا، لكن الأول لا يتطلب وجود جينات تحمل المرض على عكس الثاني لافتة إلى أن لديها 48 حالة لطفل فقد القدرة على التواصل بالكلمات بعد عمر سنة ونصف نتيجة استخدام مفرط للتكنولوجيا، فبعدما كان الطفل قادرا على نطق 10 كلمات قبل هذا السن، يصبح عاجزا تماما عن التعبير بالكلام بعد عمر سنتين نتيجة الإصابة بالحرمان البيئي.
وأشارت إلى أن سبب الإصابة بالحرمان البيئي، وهو تعرض الطفل لما يسمى بـ”اللغة الاستقبالية” لفترات طويلة، مثل مشاهدة التليفزيون أو الهاتف الذكي منفردا لأكثر من ساعتين، حتى ينفصل تماما عن العالم الواقعي، ولا يتجاوب مع أي شخص يناديه لافتا إلى ضرورة سرعة التوجه للطبيب قبل عمر سنتين لتلقي العلاج الذي لا تتعدى مدته 15 يومًا، فإذا لم يلجأ الأبوان للطبيب في حالة ظهور تلك الأعراض قد يعاني الطفل من مشاكل الحرمان البيئي، أو تظهر إصابته بالتوحد – في حالة وجود جينات – وتصعب عملية العلاج بعد عمر سنتين،مؤكدة أن كل ساعة يتعرض فيها الطفل لـ”لغة استقبالية” تؤخر عمره العقلي بمعدل يوم، وفقا لأبحاث علمية مُوثقة، داية في الوقت نفسه إلى السماح للطفل بالتعامل مع وسائط التكنولوجيا بداية من عمر 5 سنوات، بعد مروره بفترة اكتساب اللغة من الوالدين والمقربين، فالطفل قبل ذلك العُمر يتعلق بالهاتف الذكي، يبكي، ويصاب بحالات تشنج في حالة منعه من استعماله، لكن في عمر الـ5 سنوات تتعامل الأم مع طفلها بمبدأ الثواب والعقاب في استخدام وسائط التكنولوجيا، “موبايل، تابلت، تليفزيون”.

التكنولوجيا ممنوعة
من جهته، قال أستاذ الطب النفسي هاشم بحري: إن 3 مدارس تبنت آراءً مختلفة في التعامل مع الأطفال لتنمية مهارات التواصل والتفاعل، الأولى يرى أصحابها ضرورة منع تعرض الطفل للتكنولوجيا تمامًا حتى عُمر سنتين، ثم السماح بساعة واحدة فقط يوميًا حتى عُمر 5 سنوات، ثم ساعتين، وهكذا، كما أوضحت أحدث الأبحاث العلمية عدم قدرة المخ على استيعاب استخدام وسائل التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي لأكثر من 3 ساعات كحد أقصى يوميًا بالنسبة للأطفال حتى عُمر 18 عامًا.
وأضاف أن المدرسة الثانية لا تُمانع في استخدام أي وسيلة تكنولوجية طالما ترفع من نسبة استيعاب الطفل وتُنمي قدرته المعرفية، مما يعني السماح باستخدام التكنولوجيا في أي سن، شرط انتقاء المحتوى المناسب لكل مرحلة عمرية، حتى لو كانت قبل سن العامين، بينما يرى أصحاب المدرسة الثالثة في الكتب والقصص المصورة خير وسيلة للتواصل مع الأطفال وزيادة قدرته الاستيعابية، تعتمد على الكتب والحكايات، وتعتبر الأكثر فاعلية مع الأطفال لتنمية مهاراتهم السلوكية بديلا عن الاستخدام المُبكر للتكنولوجيا، شرط انتقاء المحتوى المناسب لكل مرحلة عمرية.
وتابع: حينما كنت في كندا وجدت في المترو أما تحمل طفلها الذي لم يتجاوز عمره سنة واحدة، وتعرض أمامه كتابا تُقلب في صفحاته، ولا تظهر على الطفل أي علامات وعي أو إدراك لما يُعرض أمامه، لكن الأبحاث أثبتت أنه حينما يكبر الطفل ويرى محتوى الكتاب نفسه سيجده مألوفا، ولن يلمس صعوبة لاستيعابه.
وأشار إلى أن هناك أبحاثا أكدت أن الطفل يتعرف على صوت أمه وهو جنين في عمر 7 أشهر، كما أثبتت أن إصابة معظم الأطفال الذين يتعرضون للاستخدام المبكر للتكنولوجيا بـ”الرهاب الاجتماعي، يظهر حينما يخرج الطفل عن دائرته الضيقة ويذهب للحضانة، فيبدأ بالصراخ ويرفض تماما الانخراط مع أقرانه، ويسعى جاهدًا للعودة إلى عالمه الصغير المُتمثل في هاتفه الذي اعتاد الإمساك به.

إلهاء الطفل
بدورها، أكدت أستاذ علم الاجتماع الدكتورة سامية خضر، أن الأم تسعد بتفاعل طفلها مع الهاتف الذكي، اذ تعتقد أنه أكثر ذكاءً وحيوية من أقرانه، لكن هذا ما يحدث في بادئ الأمر، حتى يتحول الطفل إلى مجرد دُمية يُحرّكه الهاتف الذكي، ويصم أذنيه عمّن حوله، كاشفة أن الدراسات بينت أن تعلّق الطفل بوسائط التكنولوجيا يزداد كلما تضاءلت قدرة الأم على التواصل معه والإجابة عن تساؤلاته المبكرة، أو إشباع رغبته في اللعب، فيجد في الهاتف الذكي خير جليس وونيس، لذا ينصح بعمل توازن داخل أدمغة الأطفال باصطحابهم للأماكن المفتوحة بشكل يعوّض العُزلة التي تطوّقها بهم التكنولوجيا، ففي فرنسا تنتهز الأسر فرصة طلوع الشمس لاصطحاب أبنائهم للمتنزهات، لأنهم يُدركون أهمية ذلك على مستقبل أبنائهم كأشخاص أسوياء.
وأكدت أن وسائل الإعلام يقع على عاتقها مسؤولية تنوير الآباء بخطورة تلك العادة السيئة، لان ظاهرة إلهاء الطفل بالهاتف الذكي أصبحت كالاغتيال البطئ لأطفال الوطن العربي، اذ تُحوّل الطفل لإنسان آلي، فاقدا لقدرات التواصل مع الغير، أكثر عُرضة للاكتئاب المبكر، فلا تتركوا للتكنولوجيا مسؤولية تربية أبنائهم، فلن تكون عليهم أمينة.

عقوبة إلهية
من جانبه، اتهم الداعية الإسلامي الشيخ خالد الجندي، الآباء المُقصرين في حق أبنائهم بخيانة الأمانة التي أودعها الله في حوزتهم، لأن العلاقة بين الأبوين والطفل علاقة أمانة وليست امتلاك وحرية، وحينما يتسبب الأبوان في إحداث ضرر نفسي أو ذهني للطفل – بقصد أو من دون قصد – فإنهما سيُسألان أمام الله – عز وجل – يوم القيامة عن هذا التقصير الذي تسبب في مشاكل نفسية واجتماعية للطفل”، مشيرا إلى قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”. مطالبا بضرورة إنزال العقوبة بالوالدين نظير السماح لأطفالهم بالاستخدام المُبكر للتكنولوجيا “استسهالًا” في التربية، مؤكدا أن الطفل لم يُخلق للإلهاء وإنما للعناية والمتابعة، وسيلقى الأبوان ثوابًا في الدنيا والآخرة عن تربية أبنائهم بشكل سوي، لأن من حقه أن يتلقى التوجيه المباشر من الأبوين.

من الخطأ تركهم لوقت طويل مع الأجهزة الإلكترونية
You might also like