الثوريون العرب ومشروع مارشال اليمني

0 121

أحمد الجارالله

هل طورت الثورات المجتمع والدولة في العالم العربي، أم أنها استبدلت الملك بآخر، أو بالأحرى بملوك هم ما سمي أعضاء مجلس قيادة الثورة، فجعلوا الدولة إمارات تتنازعها المصالح الخاصة؟
هذا السؤال يقودنا إلى آخر مستمد من الواقع الحالي بعد عشر سنوات على لوثة ما سُمي “الربيع العربي” التي أتت على أخضر ويابس دول عدة، وساقتها إلى نادي الدول الفاشلة في الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين؟
عقب الحرب العالمية الثانية بدأت الدول المنتصرة توزيع النفوذ الدولي في العالم الثالث، ونتيجة لسحر الايديولوجيا الشيوعية والاشتراكية التي اكتسحت العالم بعد الثورة البلشفية، أخذت الحماسة بعض القادة العسكريين العرب إلى مبايعة هذا المحور أو ذاك، وسادت نزعة نقل النموذج الاشتراكي إلى دولنا، فكان الانقلاب على الملك فاروق بداية طريق طويل لسلسلة من الانقلابات الدموية، فيما اتخذ الثوار الجدد شعار معاداة ما أسمَوه الأنظمة الرجعية العميلة للاستخبارات البريطانية، ولاحقاً الأميركية.
يومها انقسم العرب، كالعادة، معسكرين، بين ما سمي الأنظمة الثورية في مصر والعراق والجزائر وليبيا واليمن وسورية، تقابلها الأنظمة التقليدية المستقرة على رأسها دول الخليج والمغرب والأردن، وحينها كانت معركة الثوريين تهدف إلى تعميم نماذجهم المنسوخة عن مجتمعات مختلفة بالثقافة والايديولوجيا عن الثقافة العربية في عموم المنطقة.
يومذاك رأى هؤلاء أن الحروب الأهلية هي الطريق الأقصر لتحقيق أهدافهم، فبدأوا بتأجيج نيران الحرب في لبنان عام 1958 التي أشعلتها حماسة المنتصرين في انقلاب العراق، أما في اليمن التي اعتبرها عبدالناصر بوابته لإسقاط الحكم الملكي في السعودية، والاستيلاء على كل دول الخليج، فكانت حربها نموذجاً آخر لما ينتظر العرب من المحيط إلى الخليج.
أما في الداخل فقد رفع الانقلابيون شعار “توزيع الثروة والاشتراكية”، وهو ما أدى إلى قتل روح المبادرة، فبدأ التصحر الفكري والثقافي يزحف على تلك الدول، وتحول الزعيم ملهماً وقائداً لا يعصى له أمر، فتراجع الإنتاج واستشرى الفساد، فيما أصبح هناك طبقة ثرية جداً، هي أعضاء مجلس قيادة الثورة ومن يدور في فلكهم، وطبقة فقيرة هي عامة الشعب.
كلنا نذكر صور طوابير المصطفين على أبواب الأفران في مصر والعراق وسورية وليبيا والجزائر من أجل شراء رغيف، وهي الصورة ذاتها التي سادت كل الدول الاشتراكية، وبدأت هذه الدول ترتبط عضوياً بالاتحاد السوفياتي إلى حد التماهي، وتستورد منه الأسلحة فيما تنفذ أجندته السياسية المخالفة تماماً لواقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، في المقابل كانت ذريعة الدول التابعة تلك أن كل ما يحصل فيها هو مؤامرة تنفذها الاستخبارات الأميركية ضدها، حتى طلاق النساء من أزواجهن نسب إلى تلك الذريعة، في صورة بشعة تدل على مدى تخلف وقصر نظر تلك الأنظمة.
يكاد اليوم يشبه الأمس في كثير من تفاصيله، خصوصاً لجهة لجوء بعض قادة تلك الدول إلى إعادة تكرار محاولة التغرير بالشعوب، كأن ينسب الفساد المستشري في دولة إلى مؤامرة وحصار أميركي عليها، تماماً كما هي الحال في لبنان حالياً، حيث لا تختلف تصريحات قادته المستخفة بعقول الناس عما يروى عن أحد الوزراء اليمنيين في جلسة لمجلس الوزراء منتصف سبعينات القرن الماضي، خلال مناقشة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد بعد انتهاء حرب عبدالناصر.
يقال إن الرجل قارن بين مشروع مارشال الأميركي لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والدعم المالي الذي قدمته واشنطن لطوكيو بعد هزيمتها في الحرب، وكذلك لكوريا الجنوبية، ووضع بلاده، وقال:” لنعلن الحرب على الولايات المتحدة، وهي أقوى منا ولا شك ستهزمنا، وبالتالي ستقدم لنا الأموال كي نعيد بناء البلاد، كما فعلت مع تلك الدول ومع فيتنام”، حينها قال وزير آخر:” افترض أننا هزمنا الولايات المتحدة، فمن أين لنا المال كي نعيد بناء ما دمرناه في أميركا”؟
ثمة نموذج آخر من قِصر النظر وروح الانتقام الشخصي التي حكمت تلك الدول، وهي ما حصل في الحرب العراقية – الإيرانية، التي شنها صدام حسين رداً على العمليات الإرهابية الإيرانية، ومحاولة نظام الخميني تصدير ثورته الطائفية لإسقاط النظام العراقي انتقاماً لطرده من العراق، إذ بدلاً من معالجة طهران لوضعها الداخلي الصعب بعد الثورة، والاتجاه إلى إعادة بناء الاقتصاد المدمر، حاولت نقل أزماتها الداخلية إلى الخارج، فاندلعت الحرب.
في بداية الحرب زار وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بغداد وبعد اجتماع مطول مع صدام تعهد بتزويده بدعم أميركي، فيما كان الهدف الحقيقي هو تدمير الأسلحة الأميركية التي كانت واشنطن زودت بها الشاه، وكذلك تدمير الأسلحة السوفياتية التي كانت بحوزة العراق، وذلك لن يتم إلا بحرب استمرت ثماني سنوات، وهي ما مهدت أيضا لغزو صدام الكويت الذي رأى بعد نهاية الحرب أنه القائد العربي الذي لا يُهزم.
اليوم يتغنى بعض العرب بالانسحاب الأميركي من أفغانستان، تماماً كما انساقوا خلف جماعات متأسلمة حين اندلعت نيران “الربيع العربي”، وعادوا إلى التلويح بـ”ربيع” جديد متناسين أنهم حولوا أنفسهم وقوداً لقوى إقليمية، فيما بالمقابل تعمل بعض الحكومات على تأجيج الغضب الشعبي عبر عدم سماعها أنين شعوبها جراء الأزمة التي استفحلت في السنوات الأخيرة.
قد يتفاءل كثير من العرب بعدم العودة إلى ذلك الاتون المدمر، لكن هذا لا يعني ركون الحكومات إلى سكون الناس، وعليها التعلم من تجارب الآخرين بذكاء يبدو أنه مفتقد عربياً.

You might also like