الخطاب الأميري… هل هو ذهاب إلى الكي آخر العلاج؟

0 355

حين قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل: “إن الديمقراطية نظام سيئ، ولكن كل الأنظمة الأخرى أسوأ منه”، كان يعبر عن خلاصة تجربته بالحكم في أصعب المراحل من تاريخ بريطانيا الحديث، لكنه جعل هذا النظام الأفضل بين الأخرى السيئة بالمطلق.
وتصديقاً لهذا القول، تحدث الفلاسفة والخبراء عن مثالب الديمقراطية العديدة، غير أنهم أجمعوا على أن هناك صمام أمان، وهو الحاكم، أكان رئيساً، أو ملكاً أو أميراً، أو إمبراطوراً، فهو الذي يتحمّل مسؤولية السلطات الأدنى، حتى لو كان نظام الحكم على غرار الملكية الدستورية المعمول بها في بريطانيا والنرويج وهولندا، وغيرها من الملكيات الأوروبية.
من هذا المنطلق، يكون قياس مدى نجاح المؤسسات أو فشلها، من خلال التزامها بالدستور والقانون وتوجيهات الحاكم، إذ رغم أن إدارتها خليط من الأمزجة الشخصية، إلا أنها أحياناً وبسبب سوء الفهم، تعمل على تطويع القوانين لمصلحة الأقوياء فيها، فيما تغبن الضعفاء، لهذا منحت الدساتير الحاكم مجموعة أسلحة لمنع تعسف هذه السلطة أو تلك، فهو وحده الذي يأمر بحل البرلمان حين يحوله النواب مكاناً لتحقيق مصالحهم الشخصية، أو يجعلونه مرتعاً للفساد، وكذلك يقيل الحكومة ويعين رئيساً ومجلس وزراء إذا فشلوا في أداء مهماتهم، بل في أحيان كثيرة يكون مجرد خطأ تنفيذي سبباً في إقالة الجميع.
استناداً إلى هذه الحقيقة، عملت كل ديمقراطيات العالم وفق محاذير معينة، ووضعت لنفسها خطوطاً حمراً لا يمكن تجازوها، غير أن بعضها، وبسبب سوء فهم معنى الديمقراطية تحول مجلس النواب فيها قوة مهيمنة على الحكومات وبقية السلطات، تماماً كما هي الحال في الكويت في السنوات الأخيرة، حين تراجع دور السلطة التنفيذية بسبب ضعفها أمام مجلس الأمة، والسطوة التي يمارسها النواب عليها، ولهذا كان واضحا توصيف صاحب السمو الأمير في خطابه الأخير، الذي ألقاه سمو ولي العهد، بتحميل المسؤوليات إلى السلطتين بالقدر الكافي لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ومعرفة حجم إهمال وتقاعس، وفساد كل منهما.
لا شك أن هذا الوضع ليس صحياً أبداً، فهو يزيد من إضعاف الدولة، أي دولة، مهما كانت درجة قوتها، أو قناعة المسؤولين بمدى صوابية مواقفهم، لأن تعنتهم يجعلهم لا يرون الحقيقة، وفي هذا الشأن ثمة أمثلة كثيرة في التاريخ يمكن الاستفادة منها، أكان في صعود وسقوط الدولة الأموية، إذ أقام معاوية بن أبي سفيان إمبراطورية كبيرة، لكنها سقطت على يد مروان بن محمد، ما مهد الطريق للخلافة العباسية التي أيضا ابتليت باللهو والابتعاد عن شؤون الحكم، إذ بعدما جعل منها مؤسسها الثاني أبو جعفر المنصور إمبراطورية كبيرة سادت مناطق شاسعة من العالم القديم جاء الخليفة عبدالله المستعصم بالله ليهدم كل ما بناه الخلفاء الذين سبقوه.
لذا قيل قديماً إن الدولة ينهض بها فرد، ويهدمها آخر، فإذا كانت الملكة إليزابيث الأولى قد نذرت نفسها لبلادها، واستطاعت أن تخلصها من المشكلات التي كانت تهددها في القرن السادس عشر، فإن ذلك لم يكن متيسراً لها إذا لم تستعن بمجموعة من المستشارين الأوفياء، وتتابع كل شؤون الدولة، وتلبي مطالب شعبها.
ومن الأمثلة الخليجية، المملكة العربية السعودية التي أدرك مؤسسها منذ البدء، المغفور له، الملك عبدالعزيز بن سعود، أن الدولة الحقيقية هي تلك التي تقوم على العدالة، وتوزيع الصلاحيات وفقاً لقدرة الأشخاص على أداء المهمات، وعلى هذا النحو سار الملك سلمان وولي عهد الأمير محمد بن سلمان، في إعلاء شأن هذه الدولة العظيمة التي أصبحت اليوم قطب الرحى في الحركة الدولية، اقتصادياً وسياسياً.
أيضا من القادة الذين بنوا دولة تتمتع بمناعة كبيرة، المغفور له، الشيخ مبارك الصباح، إذ رغم كل المصاعب، والموقع الجغرافي الحساس، والقوى العظمى التي كانت تسعى إلى الهيمنة على المنطقة، إلا أنه استطاع بحنكته جعل الكويت دولة قادرة، وجزيرة أمن وأمان في بحر متلاطم الأمواج.
أيضا لنا عبرة بدولة الإمارات العربية المتحدة التي استطاع، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان، وبمساعدة عضيده الشيخ راشد بن سعيد، توحيد هذه الدولة الكبيرة، والسعي مع حكام الإمارات إلى أن يجعلوا منها قوة اقتصادية هائلة.
إن العبر والدروس كثيرة في نهضة الدول وتقدمها، ولا يمكن لدولة أن تموت إذا كانت هناك قوة قادرة على علاج أمراضها التي تتسبب بها بعض الهنات أو المشكلات التي تنشأ مع الزمن، ولهذا قيل إن الأمم تجد كل مئة عام قائداً يعيد إليها شبابها وقوتها.
الخطاب الأميري الأخير كان وصفة العلاج الواجب اتباعها من الجميع لتجديد الكويت، لكن تبقى العبرة في التنفيذ الذي سيوكل إلى السلطات المعنية، هل تكون بحجم تحديات المرحلة أو أننا نذهب إلى آخر العلاج وهو الكي؟

أحمد الجارالله

You might also like