الدكتور أحمد الخطيب وين رايحين… أين ذلك الزمن الجميل؟

0 228

بات من الضَّروري إنهاء هذه المهزلة المهينة المُحقرة لعقول أهل الكويت، الذين اختاروا منذ 60 عاماً أن يكون لديهم دولة مؤسسات قائمة على دستور يُعزِّز الانفتاح والمُساواة، لذا كان اختيار أعضاء المجلس التأسيسي من خيرة الرجال الأصايل، الذين عملوا ليل نهار على وضع الدستور الحالي الجامع لكلِّ توجهات الكويتيين، في وقت كانت التركيبة السكانية لاتزال بعيدة عن الشوائب التي غيَّرت كلَّ شيء فيما بعد.
في هذا الدستور كانت ولاتزال حدود الموالاة والمُعارضة مرسومة بدقة، لكنَّ العبرة في التنفيذ والالتزام، لذا لم يكن هناك أيُّ تعدٍّ على حدود السلطات بعضها بعضاً، ولا إسفاف في لغة الخطاب، ولا أزال أذكر أن في أول أزمة واجهتها البلاد عام 1964، وحينها كان المغفور له الشيخ عبدالله السالم في زيارة إلى الهند، فعاد إلى البلاد لحلها، ويومها رأى أن المعارضة كانت على حق في موقفها فانحاز إليها، وأعيد تشكيل الحكومة، ولم تشهد البلاد أي تعطيل في أعمالها، ولا مناكفات بين النواب والوزراء تنتهي إلى تعطيل جناحي إدارة البلاد.
في تلك المرحلة كانت المعارضة قوية وفاعلة، وفيها نخبة من رجالات الكويت، على رأسهم الدكتور أحمد الخطيب، الذي كانت له مواقف مشهودة، وأتذكر جيداً أن في افتتاح دور الانعقاد العادي لمجلس الأمة في أكتوبر العام 1965 تعرض الأمير الشيخ عبدالله السالم لوعكة صحية، فهبَّ إليه الدكتور الخطيب لإسعافه، وعلاجه، ورافقه إلى قصر الشعب، وبعد أن تعافى الأمير، قال للخطيب ما معناه: “لقد قيل لي عنك الكثير، لكنك أثبت أنك شهم، وأصيل، ووطني، وأنت نبهتنا إلى أمور كثيرة، جزاك الله خيراً على ما قدَّمته للكويت”، يومذاك كانت تقارير الأمن تركز على المعارضين بطريقة سيئة، وتتسبب بالفرقة بين أبناء البلد الواحد.
قصدت من الإسهاب بهذه المقدمة استعراض دور المعارضة التي تريد الخير للكويت، وليس تلك التي تسعى إلى شل البلاد من أجل مطلب شخصي، أو تنفيذاً لأجندة حزبية مشبوهة، ففي تلك الأثناء لم تكن لدينا تلك الأحزاب التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا “حزب أمة”، ولا “حزب الغمة”، أو “حزب الديك”، أو تجمعات تعلن عن نفسها كأنها تضم ملايين الأعضاء، فيما لا يتعدى عددها أربعة أو خمسة أنفار، وكل هؤلاء يتحدثون باسم الكويتيين، بل يضعون شروطاً على الحكومة، فيما هم لا يُمثلون إلا أنفسهم.
للأسف، فإن الحكومة تخضع أحياناً لمثل هؤلاء، وآخرها مجموعة من رجال الدين، التي التقت نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، وفرضت تأجيل البدء في انضمام المرأة إلى السلك العسكري، وفيما لم يشفع قرار الشيخ حمد جابر العلي له لتأجيل الاستجواب الذي واجهه أمس، إلا أن ذلك شكل انتكاسة مهمة للحكومة ككل، وليس لوزير الدفاع فقط.
ما فات الوزير أن هؤلاء لا يُمثلون كلَّ الكويت، بل هم يتحدثون عن أنفسهم، وأن أي قرار لا ينسجم مع الدستور لا يجب أن يعتد به، فعمل المرأة حق مكفول دستورياً، وهي قاضية وطبيبة ومعلمة، وسفيرة، ووزيرة، ونائب في البرلمان، ثانياً: إن الكويت آخر دولة خليجية تقبل المرأة في السلك العسكري، فالسعودية بدأت ذلك منذ عشرين عاماً، وفي الإمارات هناك نساء قائدات طائرات مقاتلة، ومنهن الرائد مريم المنصوري التي قاتلت ضد “داعش” في العراق وسورية، وضد الإرهابيين الحوثيين في اليمن.
أما إذا كانت حجة البعض أن الجيش الأميركي أحصى نحو 100 ألف تحرش بالمجندات، فقد غاب عنهم أن الفرقة التي ألقت القبض على صدام حسين كانت تضمُّ نساء مقاتلات، وإذا كانت حجة هؤلاء أن ذلك مخالف للشرع الإسلامي، فماذا عن الصحابية الجليلة أم عمارة التي قاتلت إلى جانب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجُرحت 12 جرحاً في معركة واحدة؟ وكذلك في معركة أجنادين ألم تكن هناك نساء مُقاتلات في عداد المسلمين، وفي معركة اليرموك حيث كان لهنَّ التأثير الأكبر في حسم المعركة؟
أياً كانت الحسابات التي فرضت الاستجواب، فلا شكَّ أنَّ الخطأ كان بالرُّضوخ لمطالب حفنة لا تُمثل إلا نفسها، وعلى الحكومة أن تكون قادرة على حماية الدستور، وقبل كلِّ ذلك حماية حق نساء الكويت في العمل، ولها أن تقتدي بالشهيدات اللواتي رَوَيْنَ بدمائهنَّ أرض هذا الوطن خلال الاحتلال العراقي، الذي نعيش اليوم الذكرى الـ31 لبدء حرب التحرير، التي يبدو أنها حرَّرت الأرض ولم تُحرِّر العقول.

أحمد الجارالله

You might also like