الدولة هيبة إذا غابت سقط الوطن

0 328

أحمد الجارالله

حين سنّ سادس ملوك بابل حمورابي قوانينه الـ282، كان يؤسس لمجتمع متطور قياساً على ما كان عليه العالم في ذلك الوقت، وهو ما يمكن اعتباره الأساس الذي استفاد منه عظماء الحكام عبر التاريخ الذين أسسوا دولاً قادرة وقوية، بل لا يزال بعضهم يسترشد به إلى اليوم.
في بابل القديمة كان حمورابي نموذجاً لكيفية الجمع بين القوة العسكرية والبراعة الديبلوماسية والمهارة السياسية في آنٍ واحد، وهو جعل مدينة بابل الصغيرة إمبراطورية عظيمة توسعت حتى شملت غالبية الشرق القديم.
في العالم اليوم ثمة دول استطاع حكامها إحداث تغييرات جذرية في المجتمع، ونقلوه من التخلف إلى التقدم، بل الريادة، لأنهم عملوا على إعلاء شأن القانون، ومكافحة كل أشكال الفساد، وبدأوا بالكبار أولاً كي لا تكون هناك محاباة، او يختل ميزان الإصلاح، وهؤلاء ينطبق المثل الشعبي “ظلم بالسوية عدل بالرعية” على عملهم، وما تركوه للأجيال من بعدهم.
في الكويت ونتيجة للتهاون في تطبيق القانون واستغلال الديمقراطية على أنها حرية الرأي والتعبير فقط، وليست سلوكاً اجتماعياً، تحولت تلك القيمة حرية بذاءة وإثارة للقبلية والطائفية، وأدت إلى ما يشبه الانقسام العمودي في المجتمع.
انعكس ذلك على المؤسسات كافة، إذ تحت غطاء العزوة الطائفية والمذهبية، أو القبلية والعائلية، جرى غض الطرف عن النهب الممنهج في المشاريع والمال العام، وتحولت مناصب المسؤولين التنفيذيين مصدراً للكسب المالي والانتخابي، وللأسف أن كل الذين توالوا على السلطتين، التنفيذية والتشريعية، وباركوا ذلك لم ينتبهوا إلى أن هذا المرض سيفتك بهم أولاً، وأن قوة الكويت في مناعتها من تلك الآفات.
كل هذا كان من الممكن ألا يحصل إذا كانت هناك مؤسسات حكم قوية، وصاحبة قرار حازم، لذا استبشر الكويتيون خيراً بالإجراءات الأخيرة التي بدأت تتخذها السلطة، ووفقاً لما يتسرب من مجالس ولاة الأمر، فإن القرار الحازم اتُخذ بمكافحة كل ما تركته المرحلة الماضية والفساد المعشعش في المؤسسات، وبدأت المؤشرات على ذلك تظهر، أكان في الإعفاء من المناصب التنفيذية، أو عبر تهريب الملوثين بالفساد، او من تدور حولهم شبهات أموالهم إلى الخارج، بل هروبهم هم، لأنهم أيقنوا أن دولة المال السايب، الذي علمهم الحرام، قد انتهت، ومضى زمن “خشمك اذنك”، في الدعاوى القضائية حين كان يخفي هؤلاء عن القضاء المستندات التي تدين المدعى عليهم.
هذا الأمر بدأ يشكل مصدر اطمئنان للكويتيين الذين عانوا الأمرين جراء ترسبات الماضي، فيما هم اليوم يشعرون أنهم أمام دولة قانون، وقيادة لا تتهاون أبداً في محاسبة أي مقصر، لكن لابد من الاستمرار في جرعات التطمين التي تعيد إلى المواطن ثقته بدولته، كما أنه بالإضافة إلى الحزم لابد من إطلاق عجلة التنمية التي تعرقلت طويلاً، أو استغلت من أجل منافع خاصة، فالدولة هيبة إذا غابت سقط الوطن، والتنمية المستدامة مصدر قوة واستقرار للمجتمع.

ahmed@aljarallah.com

You might also like