الرغبة بالإصلاح غائبة… وإرادة الفساد موجودة

0 154

ثمَّة مثلٌ إيطاليٌّ قديمٌ معناه “إذا وُجدت الرغبة وُجد الطريق”، وحين وجدت الحكومة ومجلس الأمة رغبتهما في عقد جلسة لإقرار قانون ابتزاز المال العام لسد العجز الاكتواري لمؤسسة التأمينات الاجتماعية البالغ 23 مليار دينار، عبر رشوة شعبوية يتيمة للمتقاعدين، سقطت كلُّ النصوص الدستورية، وحضرت الحكومة المُستقيلة الجلسة، وصوتت على القانون، الذي اعتبر، وبقدرة قادر، من الأمور العاجلة، فيما كان بمقدورها صرف المنحة من دون قانون.
هكذا هي حال أربع حكومات برئاسة سمو الشيخ صباح الخالد، إذ لم تقدم على أي خطوة إصلاحية، بل رهنت كلَّ شيء في البلاد لمعركة الاستجوابات التي جعلتها فوق كل اعتبار، في ظل تراجع مستمر للحركة الاقتصادية، وتزايد التهديدات الإقليمية والدولية، وقرع طبول الحرب في أكثر من منطقة في العالم، ورغم ذلك فإن أقصى طموح حكومتنا عودة سمو الرئيس إلى قصر السيف؛ ليستمر في لعبة تضييع الوقت إلى حين يصبح مجلس الأمة خاتماً في إصبعه، فيمرر ما يريد من دون محاسبة، ويقر ما يشاء من تشريعات مُفصَّلة على مقاسات مصالح النافذين.
في المقابل، تزدحم أدراج مجلس الأمة بسلسلة لا تنتهي من مشاريع القوانين، فيما لا توجد رغبة نيابية بتمريرها كي تضغط على حكومة، إما مستقيلة بحكم الأمر الواقع لعدم ممارستها صلاحياتها، وإما مستقيلة شكلاً، فيما مضموناً تعمل وفق ما تشتهي، وفي كلا الأمرين يبقى المواطن والكويت يدفعان الثمن باهظاً.
منذ أشهر ظهرت منحة المتقاعدين على السطح، وباتت حديث الجميع في البلاد، فمرة يخرج من قال إن “التأمينات” حققت أرباحاً خيالية في سنة ليتحدث عن عجز اكتواري، وعدم وجود سيولة، وأخرى يطلع علينا وزير المالية بتصريحات يدس فيها السم بالعسل، فيما النائب الفلاني يصرح بكذا، ويرد عليه النائب الحكومي الفلاني بتصريح مضاد، حتى أصبحت الكويت دولة تصريحات بينما غابت الأفعال، وكل هذا جعل ما يزيد على 150 ألف متقاعد يشتعلون غضباً، ومعهم غالبية الشعب الذي بات يقذف حمم غضبه كقنابل بوجه الحكومة والنواب والدولة.
الكويت لا تعاني من أزمة مالية، إنما من أزمة قرار ورغبة في العمل على وقف الفساد المُستشري في كل مؤسساتها، بدءاً من ذاك الذي يُحصل مخالفات المرور ويضعها في جيبه، مروراً بالذي يستحصل على رسوم الهواتف ويحولها إلى حسابه، وصولاً إلى اللعب بمناقصات المستلزمات الطبية، والمدارس، والجامعة وغيرها من أوجه الفساد الكثيرة.
جيد أن تعطي مؤسسة التأمينات مساحات من أراضي الدولة، فمن المهم أن تتحول استثمارات يستفيد منها المواطن، وتكون دافعاً إلى تنشيط الحركة الاقتصادية، كأن تبنى فيها أبراج للسكن يستطيع المواطن الحصول عليها بأسعار مناسبة، أو تتحول مرافق صناعية وغيرها من الأنشطة التي تساعد على النهوض، لكن هذا يحتاج إلى إرادة وإدارة مخلصة كي لا تتحول تلك الأراضي مصدر فساد جديداً من خلال تمهيد الطريق لبعض المتنفذين للاستحواذ عليها، إذ عندها نكون لا طبنا ولا غدا الشر.
للأسف، إن الرغبة بالإصلاح والتطوير غائبة، بينما الرغبة بالفساد مُستشرية، أي أن الهرم مقلوب، وهذا في حد ذاته كارثة لا بد من مواجهتها مهما كان الثمن.

أحمد الجارالله

You might also like