الرقم 100ألف… قصة قوم يونس الأعداد في القرآن الكريم

0 138

(وكل شيء عنده بمقدار)، (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِيْن)، (لقد أحصاهم وعدهم عدا)، (ولتعلموا عدد السنين والحساب)… إشارات مُبينة في الذكر الحكيم إلى أهمية الأعداد والحساب، تدفع باتجاه تدبُّر مواضع ذكرها، وبيان حكمتها وأسرارها، إذ اشتملت آيات القرآن الكريم على عدد كبير من الأعداد المعروفة بدءاً من العدد “1”، حتى “مئة ألف” ليكون الكتابَ السماويَّ الوحيدَ الذي أفرد جانباً كبيراً من نصوصه للأعداد.

كتب – أحمد شحاتة القعب:

موعدنا اليوم مع العدد المهيب الذي اقترن بالمعجزات الكونية وهو مئة الف، ففي واحدة من أعجب القصص القرآني، نطالع قول الله تعالى في سورة الصافات:”وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(148)”إنها قصة نبي الله يونس المعروف باسم ذي النون الذى أرسله الله إلى قومه في ارض نينوى في العراق طبقا لآراء اغلب المفسرين الذين توقفوا عند مغزى ذكر هذا العدد في الآية الكريمة اذ يعد اكبر رقم ورد في ايات الذكر الحكيم، وتساءلوا هل هو مقصود بذاته ام انه مجرد دلالة على تمام القوة والحكمة ؟ فالله تعالى لم يعمد الى ذكر إحصاء الأمم في النصوص المنزلة، واكتفي بإحصائها عنده في الامام المبين، كما انه تعالى لم يلتفت في مواضع أخرى إلى كثرة المؤمنين أو قلتهم، بل قرر ان ذلك لا يعني له شيئا، وهو قوله تعالى على لسان موسى في سورة إبراهيم (إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)
ومعنى النون الحوت، وهو محور القصة وجوهرها وبطلها الأول بسبب ارتباطه بمعجزة الهية لا تزال تحير العقول، فقد لبث يونس يدعوهم إلى عبادة الله الواحد زمنا امتد لثلاث وثلاثين سنة، ولكنهم أنكروا دعوته وظلوا يعبدون الأصنام ومنها صنم أسموه “عشتار” ولم يؤمن معه سوى رجلين، يأس يونس من قومه وخرج من بلدته دون إذن من الله وبدأت نذر العذاب التي أنذرهم بها يونس جزاء كفرهم تحل عليهم.
بحث القوم عنه ليهديهم إلى طاعة الله و كيفية التوبة فلم يجدوه، حتى أشار عليهم أحد شيوخهم بما يفعلون، وبعد أن أخلصوا التوبة والذل والتواضع لله، عفا عنهم وتجاوزعن ذنوبهم، أما يونس فكان له شأن آخر، فقد لحق بسفينة قوم ليغادر أرض المشركين، وبينما هي في عرض البحر جنوبا، هاج الموج واضطرب فاهتزت بشدة واجتمع أهل السفينة على التخلص من الحمل الزائد بإلقاء من تخرج عليه السهام في المياه، فخرج السهم على يونس، فأعادوا الكرة ثلاثا فلم تكن بهم رغبة في التخلص منه لما وجدوه من صلاحه وخلقه، ولكن قضاء الله نفذ فيه وألقى يونس نفسه في البحر، لا قصدا للانتحار بل لظنه أن الله منجيه، فالتقمه الحوت ليكون له مأوى ومسجدا، وسار يونس في ظلام بطن الحوت، وظل كذلك ثلاثة أيام أو أكثر يدعو الله ويسبحه، معلما البشرية دعاء فك الكرب: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وما كان الله ليضيعه فلفظه الحوت ليبدأ صفحة جديدة في حياته، فبعث له الله الرزق الذي يبقي حياته والظل في مكانه دون مشقة.
وإذا تساءل البعض عن كيفية مكوث انسان في جوف كائن ضخم مثل الحوت حيا لأيام عدة من دون ان يتعرض لإنزيمات الهضم وحركات الأعضاء الداخلية التي تسحق كل طعام يصل اليها، نرد عليه بعدم وجود مجال للجدال على قاعدة العقل والمنطق، لأنها معجزة تتعلق بقدرة الله ولا علاقة لها بعمل امعاء الحوت او قدرة الخلايا البشرية على تجنب افرازاته الحارقة، فالذي جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، ورزق مريم الولد دون ان يمسها انسان، لا شك انه قادر على انقاذ عبده من بطن هذا الكائن .
وبعد أن استرد يونس عافيته رحل إلى قوم يبلغ عددهم مئة ألف او يزيدون، وهنا اختلف العلماء بين من رأى أنه عاد إلى قومه بعد ان ابلغه الله أنهم أنابوا وبدلوا كفرهم إيمانا ليظهر له أهمية الصبر على العصاة، وذهب فريق آخر الى أن هؤلاء المئة ألف قوم غير قومه، وسواء صدق الرأي الأول أو الثاني فقد ارتبط هذا العدد الفريد في القرآن بقصة من أمتع القصص وأكثرها غرابة، نتعلم منها فضائل الصبر والتريث، وتجنب استعجال قضائه وكبح جماح الغضب، كما تعلمنا إن الدعاء يغير القدر ويستدعي رحمة الله، حتى لو وقع المرء في بطن الحوت.

You might also like