الريح العاتية … أهلكت قوم عاد معجزات الأنبياء

0 142

اصطفى اللهُ من البشر رجالاً، هداهم إلى الحق، طهَّرهم وباركهم، وكلَّفهم بان يكونوا لأقرانهم مُبشرين ومُنذرين، ينقلون إليهم تعاليمه، ويبلغونهم بحلاله وحرامه، ولأنه تعالى عليم بذات الصدور، فقد زوَّدهم بقدرات خارقة لسنن الكون، وأيَّدهم بمواهب خاصة وعلامات تنطق بالقدرة المُطلقة لعلَّها تكون سبباً للتقوى والإيمان، وتلك هي معجزات الأنبياء.

كتبت – علا نجيب:

اختلفت المعجزات الالهية من رسول لآخر حسب طبيعة كل قوم وخصالهم، ومن هؤلاء الأنبياء؛ هود عليه السلام – الذي أرسله الله تعالى الى قوم عاد، وكانوا قومًا جبارين يعيثون في الأرض فسادًا ، رغم النعم التي أنعم الله بها عليهم، وكان الاحرى ان يشكروا مَن رزقهم كل هذه النعم ويحافظوا عليها.
]كان هود رجلًا حسن الخلق، منحه الله تعالى الثبات والشجاعة، واختلفت الأقاويل حول معجزته، والراجح انها كانت باستجابة الله لدعائه على قومه بعد أن استهانوا بدعوته، فهلكوا هلاكًا مبينًا وباتوا عبرة للأقوام التي جاءت من بعدهم.
]كان قوم هود يعيشون في منطقة يطلق عليها اسم الأحقاف وتعني جبالا متعرجة من الرمال تمتد عبر مساحة تمر عبر شمال اليمن وجنوب السعودية وتنتهي قرب حدود الامارات، ولأهميتها فقد نزلت سورة كاملة تحمل اسمها يقول تعالى في سورة الأحقاف (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وقد أنعم الله على اهلها بالخير الوفير، فكانت الأمطار لا تنقطع عنها مما جعلهم يشيدون القصور والقلاع التي مازالت آثارها موجودة إلى الآن، كما رُزقوا طيبات كثيرة مكنتهم من إقامة حضارة مزدهرة، حتى فاض الخير عليهم، ورغم ذلك لم يؤمنوا ولم يشكروا وكانوا يستهينون بنبي الله هود ويشككون في رسالته ، فحذرهم من نقمة الله : (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فلم يردعهم تحذيره واستمروا في عنادهم واتهموه بالكذب: ( قَالُوا يهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).
]ويُجمع المفسرون ان هودا كان أول الانبياء من نسل العرب، فقبل بعثته لم تكن القبائل العربية معروفة ولم يكن لها ذكر في الكتب السماوية، كما أنه جاء في وقت ازدهار قبيلة عاد، وقيل انهم كانوا أول قوم يعبدون الأصنام بعد طوفان نوح ، ومّن الله عليهم بمدينة لم يكن لها مثيل وهي مدينة إرم ذات العماد الشاهقة ، فبنوا فيها العمائر الضخمة ، وتميزوا بحضارة معمارية لم تشهدها اليمن أو الجزيرة العربية من قبل ، و كانوا يعبدون ثلاثة أصنام “صدا، صمودا، هرا” وسعى هود الى أن يجذب إلى دعوته كبار القوم وأسيادهم إلا أنهم كانوا يشككون في نبوته زاعمين أنه مجرد رجل عادي لم يأت إليهم بمعجزة أو بينة تؤكد صحة كلامه، فرد عليهم أنه آتاهم بدين الحق وهودين أجداده نوحًا وإدريسًا، محذرًا إياهم من عقاب الله كطوفان آل نوح، لكنهم لم يتعظوا أو يتقبلوا دين الله، بل زادوا في طغيانهم وعنادهم ، فما كان منه إلا أن دعا ربه أن ينتقم منهم ويهلكهم هلاكًا شديدًا، فقد كذبوه ولم يستجب لدعوته إلا نفر قليل من المؤمنين، فاستجاب الله لدعوته وسّلط عليهم ريحا عاتية.
]وعندما حان وقت العذاب انقطعت السماء عن إرسال المطر، وبدأت الأرض في الذبول وهلك الزرع ، وحاول هود أن يدعوهم لعبادة الله مرة أخرى علّها تنجيهم ، لكنهم قابلوا نصيحته بالاستهزاء والسخرية، فأرسل الله عليهم ريحا اعتقدوا أنها الريح المنقذة التي سوف تنزل عليهم المطر، لكنها كانت ريح العذاب وحملت سحابة سوداء كبداية لهلاكهم الشديد.
]وأمر الله نبيه ومن معه من المؤمنين أن يحتموا في الجبال ويتركوا بيوتهم، أما قوم عاد فخرجوا مهللين لاستقبال الريح ، لكنهم فوجئوا أنها أعاصير مهلكة لا يقوى احد على الوقوف أمامها سرعان ما دمرت منشآتهم الضخمة وخربت بيوتهم الحصينة وقذفتهم بعيدا فتطايروا في الهواء ولم تنفعهم اصنامهم ، وكانت الريح تقطع رؤوسهم كما تقطع رؤوس النخيل ، وتدخل في أدبارهم حتى تصرعهم وتسحق أحشاءهم ، فيصبحوا كالنخلة الخاوية الجوف.
استمرت الريح في تدميرها للمدينة سبعة ليال ، ولم يتبق أي كائن حي على الأرض وفي ذلك يقول تعالى في سورة الحاقة (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)

You might also like