السياسة الخارجية الأميركية في عهد بايدن… آفاق التغيير وقيادة الغرب الرئيس الجديد نجح في إقناع الناخبين بامتلاكه الخبرة والرؤية لطي صفحة ترامب

0 228

* معالجة الأزمة الاقتصادية والصحية واللامساواة العرقية
* سوء إدارة مكافحة “كورونا” أثرت في مكانة الولايات المتحدة عالمياً
* إدارة ترامب دفعت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي

د.خالد الشرقاوي السموني

فاز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لينهي طموح منافسه دونالد ترامب في البقاء على رأس الولايات المتحدة لولاية ثانية، ونجح الرئيس الجديد في إقناع الناخبين بأنه يملك الخبرة والرؤية السياسية لطي صفحة الرئيس ترامب و لمحو آثار ما خلفه حكمه على البلاد.
ويرغب بايدن في تضميد جراح الولايات المتحدة التي مزقتها الأزمة الاقتصادية والصحية، واللامساواة العرقية، ووضع خطة لإصلاح الضرر الذي أحدثه ترامب ورسم مسار مختلف جوهريا للسياسة الخارجية الأميركية للعالم، من تغير المناخ إلى الانتشار النووي، ومن عدوان القوى العظمى إلى الإرهاب العابر للحدود، ومن الحرب الإلكترونية إلى الهجرة الجماعية.
في السنوات الأربع الماضية تغير العالم مع صعود دول منافسة للولايات المتحدة، وتراجعت سمعة ومكانة أميركا بسبب سوء إدارة ترامب لأزمة فيروس كورونا، التي أودت بحياة مئات الآلاف من الأميركيين و تخليها عن بعض الاتفاقيات الدولية وتصرفاته التخريبية والأحادية، كما يصفها كثير من المحللين، وأصبح حلفاء أميركا في أوروبا في عزلة، وأهم اتفاقية لمنع انتشار الأسلحة النووية مع روسيا على وشك الانتهاء، وإيران تكدس الوقود النووي المخصب مرة أخرى، وكوريا الشمالية تلوح بترسانتها النووية، ناهيك عن الاحتباس الحراري وأزمات اللاجئين والمجاعات التي تلوح في الأفق في بعض أفقر مناطق العالم.
كل هذا جعل الرئيس المنتخب بايدن يعلن عن مجموعة من الخطط خلال حملته الانتخابية تهدف إلى تغيير سياسات ترامب، نذكر من بينها الانضمام من جديد إلى اتفاقية باريس للمناخ، التي انسحبت منها الولايات المتحدة في عهد ترامب، وإلغاء قرار الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وإنهاء الحظر المفروض على سفر المواطنين من سبع دول معظمها مسلمة، وإعادة العمل بسياسة أوباما بمنح وضع الهجرة للمهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا الولايات المتحدة وهم أطفال.
من جهة أخرى يؤكد جو بايدن على الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم، بعدما تراجعت القيادة الأميركية في عهد ترامب، ويؤكد أيضا على أهمية المؤسسات الدولية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، والقيم الديمقراطية الغربية المشتركة، وستسعى لقيادة دولية للاستجابة لفيروس “كورونا”، وقيادة التحالفات العالمية المنضوية تحت لوائها الدول الليبرالية الحرة، وعلى الخصوص الاتحاد الأوربي، وذلك من أجل إنقاذ صورة أميركا التي تضررت كثيرا خلال السنوات الأخيرة.
فما الذي يمكن أن يتغير على مستوى السياسة الخارجية في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن ؟ وما الملفات التي تنتظره؟ وهل تجربته كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ونائب الرئيس في إدارة أوباما يمكن أن تعطيه إلماما بالشؤون الدولية؟

محاربة “كورونا”
بمجرد وصوله إلى السلطة، بدأ التركيز الأول لبايدن على تفشي جائحة “كورونا”، حيث عين فريق عمل خاص بفيروس “كورونا” يتألف من 12 شخصا من العلماء والخبراء في مجال الأمراض المعدية، كما تعهد بوضع ستراتيجية وطنية للمضي قدما في محاربة الجائحة من خلال سن قانون رئيسي في الكونغرس لتمويل حملة اختبار وطنية ستكون نتائجها متاحة على الفور، وصناعة منتجات ومعدات طبية في الولايات المتحدة وجعل وضع الكمامات إجباريا في المباني الفيدرالية وفي وسائط النقل بين الولايات، وتوفير لقاح مجاني لجميع الأميركيين.
بايدن يريد الاستفادة من أخطاء ترامب، فكان ينتقده بخصوص تدبير مرحلة جائحة كورونا، واصفا إياه بالفاشل عندما رفض فرض إجراءات على الصعيد الوطني لمكافحة الفيروس مثل تدابير التباعد الجسدي وإلزامية وضع الكمامة.

اتفاق المناخ
أعلن الرئيس السابق دونالد ترامب عن انسحاب الولايات المتحدة رسميا من اتفاقية باريس، وكان القرار سيسري ابتداء من 4 نوفمبر الجاري، هذا القرار المفاجئ والمثير للجدل، لم يرض دول الاتحاد الأوروبي وفرنسا والصين وروسيا التي عبرت جميعها عن أسفها لقرار الانسحاب، علما أن الصين والولايات المتحدة تعتبران من أكثر الدول المسببة لانبعاثات الغازات الدفيئة المسؤولة بدورها عن الاحتباس الحراري.
فعلى خلاف ترامب الذي يرى أن معالجة الاحتباس الحراري تشكل تهديدا للاقتصاد ما جعله يتراجع عن الكثير من أنظمة حماية البيئة والمناخ، فإن بايدن دافع عن خطة طموحة بقيمة 2 تريليون دولار لتحقيق أهداف لخفض الانبعاثات، من خلال بناء اقتصاد للطاقة النظيفة، تعهد بأن يجعل من مكافحة تغير المناخ أولوية في سياسته، كما سيعيد الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ التي انسحب منها ترامب.
الرئيس بايدن تعهد أيضا أنه في غضون مئة يوم، سيجمع قادة الدول الأكثر تلويثا في قمة المناخ حيث ينوي إقناع هذه الدول بزيادة التزاماتها في سبيل المناخ، وتبنى بايدن أيضا برنامجا طموحا حول المناخ حيث تكون الطاقة النظيفة بنسبة 100 % حجر الأساس وحياد الكربون في الولايات المتحدة بحلول عام 2050، كما وعد بإلغاء قرارات ترامب الذي ألغى أو خفف بمقتضاها سلسلة كاملة من المعايير البيئية.

الاتفاق النووي الايراني
لاحتواء الخطر النووي الإيراني، أبرمت الصفقة المسماة خطة العمل الشاملة المشتركة والمعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 وهي اتفاقية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبمقتضاها التزمت إيران بإجراءات التحقيق الصارمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبفرض قيود على أنشطتها النووية، وتبعا لذلك، تم رفع العقوبات عن إيران.
لكن في مايو 2018، سحب الرئيس ترامب من جانب واحد الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وأعاد فرض العقوبات عليها من جديد، معتبرا أن الاتفاق لن يحد من التهديدات النووية الايرانية، وردا على ذلك، أعلنت إيران في مايو 2019 أنها لن تلتزم ببعض القيود الواردة في الاتفاق النووي، بما في ذلك احتياطيات اليورانيوم المخصب.
وخلال حملته الانتخابية، قال بايدن إنه سيستأنف المفاوضات في هذا الإطار معتبرا أن “كسر” هذه الصفقة من قبل ترامب كان خطأ فادحا، وأن سياسة “الضغط الأقصى” هذه قد فشلت، كما أنها أدت إلى تصعيد كبير في التوترات، وتم رفضها من قبل الحلفاء، ثم إن إيران الآن أقرب إلى امتلاك سلاح نووي مما كانت عليه عندما تولى ترامب السلطة.
لكن في الوقت نفسه، نتوقع أن بايدن لن يعود إلى الاتفاقية الموقعة كما كانت في عام 2015، لأن خمس سنوات مضت منذ ذلك الحين ولأن صورة إيران في الولايات المتحدة سلبية للغاية، و لذلك، فإن مساحة المناورة أمام بايدن ستكون ضيقة نسبيا في الملف الإيراني، و إن كان قد أبدى استعداده للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، إذا التزمت إيران ببنود الاتفاقية.
في هذ الصدد، يمكن لسياسة بايدن تجاه إيران أن تنفر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي استفاد من نهج سياسة ترامب في تعزيز علاقات إسرائيل مع دول الخليج العربية، من شأنها محاصرة إيران كعدو لدول المنطقة.

الصراع العربي – الإسرائيلي
رحب جو بايدن باتفاق الرئيس ترامب بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، علما بأن بايدن مؤيد قوي ومدافع قديم عن إسرائيل، لكن من غير المرجح أن يتبنى سياسات إدارة ترامب تجاه الضفة الغربية المحتلة، ولأن الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، الذي يتمتع بتحالف سياسي خارجي كبير مما كان عليه في السنوات السابقة، يدعو لاتخاذ إجراءات بشأن الحقوق الفلسطينية.
فسبق لبايدن أن انتقد بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ومن المرجح أن يستعيد الاتصالات مع القيادة الفلسطينية، لكن يتوقع أنه لن يتراجع عن نقل ترامب للسفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

العلاقة مع روسيا
بدا الرئيس ترامب خلال ولايته مستعدا لتطبيع العلاقات مع فلاديمير بوتين رغم أنه كان يتهم هذا الأخير بانتهاك القوانين الدولية، لكن إدارة ترامب كانت صارمة للغاية مع روسيا، حيث فرضت عليها عقوبات، ومن المحتمل أن يستمر ذلك في ظل رئاسة بايدن.
بايدن يريد العمل مع روسيا للحفاظ على ما تبقى من معاهدات الحد من الأسلحة التي تقيد ترساناتها النووية والتي انسحب ترامب من اثنين منهما، متهما روسيا بعدم الالتزام بهما، على خلاف بايدن الذي التزم خلال حملته الانتخابية ببدء مفاوضات مع روسيا من أجل تمديد معاهدة الحد من الأسلحة الستراتيجية الجديدة لعام 2010 دون شروط مسبقة.
فعندما كان بايدن نائبا للرئيس أوباما، ضغط من أجل فرض عقوبات على روسيا بسبب قيام الرئيس فلاديمير بوتين بضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014، و لذلك، فإنه قد يسعى إلى تمديد العقوبات على روسيا واتخاذ خطوات عقابية أخرى. ومن المرجح أن تتصاعد التوترات مع روسيا خاصة في مجال التسلح، وسيتخذ بايدن موقفا أكثر تشددا مع روسيا مقارنة مع ترامب.

العلاقة مع الصين
في عام 2017، بدأ نوع من تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في عهد ترامب، لكن خلال عام 2020 ومع انتشار فيروس “كورونا” في العالم وجه ترامب اتهامات إلى الصين بأنها أصابت العالم بهذا الوباء ويجب أن تخضع للمساءلة، وبالتالي تشنجت العلاقات بين البلدين، هذا مع العلم أن حربا اقتصادية، أو “حربا باردة” حسب البعض، بدأت بين البلدين منذ مدة.
وقد أصبحت الصين قوة اقتصادية عظمى ومنافس جيوسياسي للولايات المتحدة، وهناك خلافات بين البلدين حول التجارة وبحر الصين الجنوبي وهونغ كونغ وتايوان والتكنولوجيا، وسيواصل بايدن سياسة الرئيس ترامب في مواجهة الممارسات الاقتصادية الصينية، ولكن بالتعاون مع الحلفاء في اوروبا واسيا.
النقطة الوحيدة للاتفاق بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن السياسة الخارجية كانت بالضبط العداء للصين، نظرا لوجود عجز تجاري كبير للغاية في الولايات المتحدة، ثم إن جو بايدن قد فاز بالولايات الصناعية في شمال شرق البلاد، وفي هذه الولايات يكون تصور التهديد الصناعي الصيني هو الأقوى.

العلاقة مع الاتحاد الأوروبي
فقد كان ينظر إلى الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، على وجه الخصوص، التي باستطاعتها ربح رهان المعركة العالمية ضد كوفيد 19 لكن اتضح العكس، بسبب افتقارها إلى المسؤولية القيادية، كقائد للغرب.
فقط انشغل ترامب في حرب سياسية وديبلوماسية مع الصين بإلقاء اللوم عليها في تفشي الوباء في أكثر من اهتمامه بمساعدة دول الاتحاد الأوروبي في مكافحته.
فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، لم تكن هناك وجهات نظر مشتركة بين أميريكا وأوروبا حول العالم، حتى في الأمور الأساسية، كما أن إدارة ترامب كانت سببا في دفع بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، وهذا ما جعل القادة الأوروبيين يفقدون الثقة في الولايات المتحدة الأميركية كحليف ستراتيجي للغرب، كما أن الكثير منهم سيكونون سعداء برحيل ترامب.
قد يكون صعود بايدن محرجا بشكل خاص لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي كان يؤيد سياسة ترامب وكان يعتمد على تحقيق صفقة تجارية مع الولايات المتحدة قبل أن يصبح انسحاب بريطانيا من الكتلة ساري المفعول.

السياسة تجاه كوريا الشمالية
حاول ترامب خلال ثلاثة اجتماعات مع كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، تطبيع الاعلاقات بين البلدين و تجنب الحرب، لكن منتقدي سياسة ترامب يرون أنه لم يفشل فقط في إقناع كيم بالتخلي عن ترسانته من الأسلحة والصواريخ النووية، بل إنه منحه الوقت لتقويتها، كما كشفت مؤخرا كوريا الشمالية عن أكبر صاروخ باليستي عابر للقارات، ففي عهد ترامب، نما برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية بسرعة، وتوسعت قدراتها الصاروخية، ويمكن لها استهداف الولايات المتحدة بصاروخ باليستي عابر للقارات.
في هذا الصدد، تعهد بايدن أنه سيضغط من أجل نزع السلاح النووي والوقوف مع كوريا الجنوبية، لكنه لم يحدد كيف سيتعامل مع الحرب الكورية الشمالية.

إصلاح نظام الهجرة
من المتوقع أن يعكس بايدن الكثير من الخطوات الانعزالية والمناهضة للهجرة التي اتخذت خلال إدارة ترامب، والتي ينظر إليها منتقدو ترامب على نطاق واسع على أنها مواقف مخزية أثرت على مكانة أميركا في العالم.
في هذا الإطار، تعهد بايدن برفع القيود على الهجرة التي فرضها ترامب، وسيوقف بناء جداره الحدودي مع المكسيك، ويوسع الموارد للمهاجرين ويوفر مسارا للحصول على الجنسية للأشخاص الذين يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، وسيعمل على إلغاء مرسوم الهجرة الذي أصدره ترامب والذي يحظر دخول مواطني دول عدة، معظمهم من المسلمين، بالإضافة إلى تمرير قانون ضد الجرائم العنصرية في الكونغرس.

أستاذ بكلية الحقوق بالرباط
والمعهد العالي للإعلام والاتصال

You might also like