القطاع الصحي… ثور الدولة ما يلقح

0 274

أحمد الجارالله

حالة الكويت الصحيّة ينطبق عليها القول المأثور: “طبيبٌ يُداوي الناس وهو عليلُ”، ففي الوقت الذي تتباهى به الدّولة ببناء أفخم المستشفيات، وتوفر العلاج شبه المجاني للمواطنين، وتغدق على دول كثيرة في العالم ببناء منظومات علاجية من ضمن المنح والقروض التي تُقدِّمها، فإنَّ ما يزيد على 16 ألف مواطن يُعالجون سنوياً في الخارج، وهي أعلى نسبة بين دول “مجلس التعاون” الخليجي، وذلك يُكلِّف ما يزيد عن 1.37 مليار دينار، فيما كشفت تقارير ديوان المحاسبة والدعاوى ضد العاملين في تلك المكاتب عن نهب مُمنهج يُمارس فيها.
وفيما تتراوح الميزانية السنوية لوزارة الصحة بين 2.1 و2.3 مليار دينار، لتكون أعلى ميزانية في العالم نسبةً لعدد السكان، فإنَّ البنية التحتية الطبية لم تشهد أيَّ تطوُّر يُذكر، فيما لو كانت هناك إدارة علمية ومُخلصة لكانت الكويت، بتلك الأموال، الدولة الأولى عالمياً في المجال الطبي، في حين أن دولة مثل كوبا، المُحاصرة منذ العام 1959، تؤمن أفضل أنواع الطبابة لمواطنيها، كما أنها تحتلُّ المرتبة الأولى عالمياً في مجال تصدير الأطباء إلى الخارج، وهو يدرُّ عليها ما يزيد عن 11 مليار دولار، أي ضعف ميزانية وزارة الصحة الكويتية سنوياً.
وفي الوقت الذي يُسجِّل القطاع الصحيُّ الكويتيُّ أعلى نسبة أخطاء طبية، فإنَّ الدولة التي أعلنت أواخر مايو 2018 أنَّ العلاج في الخارج سيكون شيئاً من الماضي في العام 2020؛ من خلال تقديم أفضل الخدمات الطبية في البلاد، كشفت جائحة “كورونا” عن غياب خطة تصدي وبائية، فيما كانت هناك قرارات ارتجالية أدَّت إلى إعلان أطول إغلاق في العالم استمرَّ نحو 165 يوماً، ناهيك عن الفساد في المناقصات التي تحوَّلت “مغارة علي بابا” للنَّهب من المال العام عَبْر استيراد كميات مُستلزمات طبية تفوق حاجة البلاد لسنوات مقبلة، بل بعضها انتهت صلاحيتُهُ قبل استخدامه.
إنَّ مبدأ الرعاية الكاملة المعمول به منذ عقود أثبت فشله، فإن كان يصلح في بدايات الدولة الحديثة سعياً إلى تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، عملاً بمبدأ توزيع الثروة، بات اليوم مُعضلة تُهدِّد استمرارية الحدود الدُّنيا لدولة الرفاه، لهذا لا بد من الخروج من دوامة الهدر غير المسؤول على قطاع أثبت فشله.
في كلِّ دول العالم جرى تخصيص القطاع الطبي، وعملت الشركات على إقامة مدن طبية، واستعانت بأمهر الأطباء والمُمرضين والإداريين، بل إنها أسست منظومة أبحاث صحية مرموقة جعلتها قطب الرحى في الأدوية والصناعات الطبية، كما هي الحال في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وكندا وألمانيا وفرنسا، وكذلك بعض دول الخليج كالإمارات والسعودية والبحرين التي خفضت كلفة العلاج كثيراً، فيما ضمنت تأمين الطبابة للأمراض المُزمنة، والحالات المُستعصية، وألزمت المواطنين بتأمين صحي، وكذلك المقيمين والزائرين، وهو ما حوَّلها مقصداً للعلاج من بقية دول العالم.
في الأمثال “ثور الدولة لا يلقح”، ولأنَّ غياب القرار في الكويت، والخضوع المستمر للمُتنفعين والمصالح الانتخابية، جعلا ثور الدولة عقيماً، ومصدراً للفساد، فهذا يعني استمرار العمل بـ”الجربة المقطوعة”، والهدر الدائم؛ لإرضاء المتنفعين بسبب سياسة “حب الخشوم”، و”هذا ولدنا”، التي ستبقى تتحكم بالكويت إلى ان يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً.

You might also like