امنعوا شذاذ الآفاق من نهب صناديق الكويت

0 72

أحمد الجارالله

تزيد الأخبار عن الأزمة المالية من إحباط المواطنين، وتُجهض الكثير من أحلام الشباب الساعي إلى المبادرة في الاقتصاد الوطني عَبْر مشاريع صغيرة ومتوسطة، غير أن كلَّ هذا يبدو أنه أصبح سراباً في ظلِّ العجز الحكومي والتدخلات النيابية، التي أفضت إلى مشهد شبه مأساوي لما آلت إليه حال البلاد.
للأسف، سببُ كلِّ هذا التساهل في مواجهة الطمع الانتخابي بالاستحواذ على كل شيء، حتى ثروة الأجيال القادمة، ووضع اليد على الصندوق السيادي، الذي كان أول صندوق من نوعه يتأسس في العالم، منذ 68 عاماً، ليُضاف إليه في العام 1976 صندوق الأجيال القادمة، الذي أمر به أمير البلاد، حينذاك، الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله.
وفيما كان متوقعاً أن تكون هذه القاعدة المالية الضخمة الرافد الأساسي للنهوض الاقتصادي، تحوَّلت بعد الغزو العراقي إلى ما يُشبه مغارة “علي بابا”، حيث دخلها شذاذ الآفاق من كل حدب وصوب، كي “ينهشوا” من لحمها الحي، بل للأسف ثمة بعض المسؤولين فيها استغلوا كارثة الغزو؛ لينهبوا من الصندوقين مئات الملايين، ويتواروا عن الأنظار، فيما عجزت الدولة عن استعادة تلك الأموال، أو إلقاء القبض على أي من هؤلاء، وهذا ما أدى إلى أن تضرب الكويت واحدة من أسوأ الأزمات المالية التي لم تعرفها حتى خلال الغزو الغاشم، فيما الكويتيون باتوا يشبهون واقعهم الحالي بما قاله طرفة بن العبد قبل 1450 عاماً:
“كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمولُ”
إذ هم يرون ثروتهم السيادية تتناقص بفعل التدخلات بالتعيينات في إدارة المال السيادي، وفرض مُحاصصة قبلية وطائفية لم يسبق أن عاشتها الكويت في أي يوم من الأيام، وبات تضارب المصالح أمراً عادياً، فيما أسست النرويج صندوقاً سيادياً بعد نحو 20 عاماً من صندوق الأجيال، أصبح اليوم أكبر صندوق سيادي في العالم بثروة تقدر قيمتها بـ 1.3 تريليون دولار، بينما الصندوق الكويتي لا تتعدى قيمته 693 مليار دولار، وهذا الفارق يدل على مدى التراجع في الأداء، حتى لو كانت هناك أرباح تتحقق سنوياً لكنها وفقاً للتقارير الموثوقة لا تصل إلى ثلثي العائد الذي يُحققه الصندوق النرويجي.
لا شكَّ أن الحصافة في إدارة المال السيادي تؤدي دوراً كبيراً في تعزيزه، ومثال على ذلك أذكر أن بعد الغزو احتاجت الكويت سيولة لإعادة الإعمار، فاقترح البعض على الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، بيع أسهم الكويت بشركة “ديملر بنز”، لكنه رفض، وطلب الاقتراض من الأسواق المحلية والدولية؛ لأن الاقتراض بفائدة أقل من تلك المُتحصلة من أسهم الشركة، وبهذا حافظت الكويت على حصتها الستراتيجية في الشركة الألمانية، وتغلبت على أزمة السيولة، بل حققت أرباحاً.
خلال جائحة “كورونا”، لا سيما بعد مارس عام 2020، لجأت الصناديق الخليجية إلى تعزيز استثماراتها في العقارات والأسهم التي انخفضت أسعارها بنسبة كبيرة، وحين بدأت الأسواق العالمية تستعيد عافيتها كانت تلك الصناديق قد رفعت من أرصدتها، وعززت قوتها المالية، وفي الوقت نفسه تغلبت على التبعات السلبية الاقتصادية للجائحة وضخت جزءاً من تلك الأرباح في أسواقها المحلية.
لا نريد أن نقول: إن الكويت غير قادرة على الخروج من المأزق المالي، لكن يقتضي ذلك العمل على منع التدخلات، نيابية أو غير نيابية، في الصندوقين، وإعادة ربطهما برئيس الدولة، كما كانت الحال قبل الغزو العراقي، أما بغير ذلك فستزداد حدة الأزمة، وسيبقى الكويتيون يبكون على حليب سكبوه بإهمالهم، وتغاضهيم عن طمع نوابهم، وقلة تدبير حكومتهم.

ahmed@aljarallah.com

You might also like