بتحالف الملك والشعب ترسخت الديمقراطية المغربية

0 78

أحمد الجارالله

طُويت، أمس، صفحة الانتخابات المغربية، البرلمانية والبلدية، وطوت معها فصلاً من الخطاب الشعبوي للتيارات الإسلامية، التي استفادت من هَبَّة ما سُمِّي “الربيع العربي”؛ لتتسيَّد الحكومة ومجلس النواب طوال عشر سنوات، شكّلت فيها أكبر خيبة أمل للمغاربة، الذين نظروا إليها في مرحلة ما على أنها جالبة المن والسلوى لهم، إلا أنها سقتهم المُرَّ مرة تلو أخرى حتى ضجروا من تلفيقاتها السياسية، لاسيما بعدما حاولت التشبث بالحكومة الأخيرة من باب فسيفساء التحالف الهجين مع قوى تعارضها في المشروع والفكر.
يُدرك المغاربة جيّداً أنَّ الصورة التي انتهت إليها الانتخابات الأخيرة لا تختلف عمّا كانت عليه بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي، حين كان اليسار الاشتراكي يُهيمن على الشارع مستنداً إلى قوة الحماسة العربية للشعارات الكبرى، التي أثبتت التجارب عدم واقعيتها، لكن ولأن الديمقراطية في المملكة المغربية قائمة على أساس راسخ وهو السعي الملكي الدائم إلى تلبية المطالب الشعبية، فقد منح الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رئاسة الحكومة بعد انتخابات العام 1998، والنتائج التي ترتبت عليها.
يومذاك، اختير المعارض التاريخي عبدالرحمن اليوسفي لمنصب الوزير الأول، وقد أعطي من الصلاحيات الكثير على أمل أن يحقق للمغاربة الحد الأدنى مما كان يُنادي به حزبه، لكن سرعان ما اكتشف الشعب أن العدالة الاجتماعية التي عزف على وترها سنوات طويلة ليست أكثر من قشور لدغدغة المشاعر ما أدى إلى هزيمته الكبرى في أول انتخابات تعقد بعهد الملك محمد السادس عام 2002، ويخرج منها الحزب إلى شبه عزلة شعبية.
في العام 2011 وبعد فوز “حزب العدالة والتنمية” ذي المرجعية “الإخوانية” بالانتخابات النيابية، بدأت عملية التضليل المُمنهجة “إخوانياً” في عموم العالم العربي، إلى حد استعارة شعارات “حزب الله” اللبناني عن “الانتصار الإلهي” لهذه الجماعة، لكن اليوم غالبية المغاربة يتوجهون بالشكر إلى الملك محمد السادس، الذي أعطى ذلك الحزب فرصة عشر سنوات للحكم؛ كي يظهر على حقيقته.
خلال عقد من الحكم لم يُقدم الحزب شيئاً، بل ساعد على إجهاض الإصلاحات التي كانت تحققت بين عامي 1999 و2011، من خلال زراعة أتباعه في المؤسسات، ما جعل الفساد يتفشى في العديد منها، وهو ما دفع بالملك إلى متابعة كل صغيرة وكبيرة في البلاد، بل تنظيم جولات ميدانية للاطلاع على أحوال الناس، لاسيما في الحسيمة وأغادير، التي كانت أولى المناطق التي تخرج رافضة ممارسات حكومة “الإخوان”، لذا حين يُمنى “حزب العدالة والتنمية” بهذه الهزيمة المدوية فإن ذلك يعني أن “الإخوان” باتوا بحكم الأثر التاريخي، خصوصاً بعد هزيمتهم في مصر وتونس، وبقية العالم العربي.
اليوم وبعد الفوز الكاسح لحزب التجمع الوطني للأحرار بات أمام تحدي تلبية مطالب المغاربة، وتنفيذ برنامجه الانتخابي، الذي أعلنه رئيسه عزيز اخنوش بعنوان “100 يوم 100 مدينة”، والعمل على تحقيق مطالب المواطنين بشأن الحماية الاجتماعية، وخدمات صحية جيدة، وتخصيص تعويض شهري لكبار السن، وتوفير مليون فرصة عمل، وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن وتكريسها لخدمته.
في الحقيقة، إن هذا البرنامج ينبع من صلب الخطب الملكية، التي أكد العاهل محمد السادس فيها مراراً على ضرورة إطلاق ورشة عمل مؤسساتية؛ لتحقيق المزيد من الأمن الاجتماعي.
لهذا فإنَّ “الأحرار” باتوا تحت مجهر الرقابة الشعبية، ومن يعرف الشعب المغربي يُدرك جيداً أنَّ من الصعب جداً خداعه، خصوصاً أنه تمرس باللعبة الديمقراطية، التي تحرص عليها السدة الملكية، وتعمل على تنميتها وتطويرها؛ لأنها ترى في الشعب حليفها الأساسي، وتترك له حرية الخيار.

ahmed@aljarallah.com

You might also like