بطرفة عن غبائه… امتص تشرشل غضب الشعب والبرلمان

0 136

أحمد الجارالله

في خضم الحرب العالمية الثانية، واحتدام الهجمات الألمانية على بريطانيا، أراد مواطن بريطاني التعبير عن سخطه من الحال التي وصلت إليها بلاده، وصادف أن كان موكب رئيس الوزراء الأشهر ونستون تشرشل ماراً في الشارع فاعترضه، وصرخ مخاطباً تشرشل: “أنت غبي وأحمق أيها الرئيس”.
على الفور، اعتقلته السلطة وأودعته السجن، في اليوم التالي وخلال جلسة البرلمان خاطب أحد النواب تشرشل: “هل يجوز أن تعتقل الشرطة مواطنا لمجرد أنه سبَّك؟”.
أجاب تشرشل: “إن الشرطة لم تعتقله لأنه شتمني، بل لأنه أفشى سراً من أسرار الدولة”، عندها ضجت القاعة بالضحك والتصفيق للرئيس المحنك الذي امتص غضب البرلمان بسخريته الذكية.
كان تشرشل يدرك جيداً أن الشعب رداء السلطة، فإذا ابتعد عنها تعرت وبانت عوراتها، ولهذا كان حريصاً على سماع كل الآراء ومناقشتها بأريحية، وبذلك استطاع إخراج بريطانيا من أزمة وجودية، هي الحرب العالمية الثانية، ويخلد اسمه في التاريخ بوصفه أكثر سياسي إنكليزي داهية.
تذكرت هذه الواقعة حين شاهدت ما يجري عندنا في الكويت التي أدخلتها السلطة في نفق أزمات باتت تهدد كل شيء، فيما هي أقفلت أبوابها ونوافذها، ولم تستمع إلى أصوت الناس، أكان في الديوانيات أو عبر البيانات التي تصدرها قوى الضغط الاجتماعي، أو حتى غالبية النواب الذين يطالبون بحل مجلس الأمة والذهاب إلى انتخابات مبكرة للخروج من مأزق أزمة الرئيسين التي أرخت بظلالها على كل شيء في البلاد.
لا يمكن لأي سلطة في العالم أن تعاند شعبها، فلقد أثبتت التجارب أن ذلك يرتد سلباً عليها ويضعفها ويزيد من أمراضها، خصوصا إذا كان المسؤولون عن الشؤون التنفيذية، من وزراء ووكلاء، ضعفاء، ولا يدركون حجم المهمة الملقاة على عاتقهم، ويتخبطون في قراراتهم، وكأن كل واحد منهم يحكم مزرعة خاصة وليست وزارة مسؤولة عن تسيير شؤون الناس.
لقد أثبت الوزراء، خصوصاً وزراء السيادة، قبل غيرهم، قلة حيلتهم وفشلهم في إدارة المؤسسات التي يتولونها، فلا هم استقروا على قرار، ولا أجادوا في اتخاذه بالشكل السليم ونفذوه كما ينبغي، بدءا من قرار الستين المتعلق بالوافدين، مرورا بقانون إقامة الأجانب الذي كشف عن سوء مرعب لقراءة المعطيات التي من الواجب العمل من أجلها، وصولا إلى إغلاق الكويت، فيما دول الجوار تسير بسرعة الضوء نحو الانفتاح، وليس انتهاء بالأزمة الاقتصادية الآخذة في التفاقم، والتي لا شك تعود سلباً على المواطنين كافة.
في كل هذا السلطة تُعري نفسها من قوتها بسبب انغلاقها، وعدم سماع أصوات الكويتيين، وهي بذلك تزيد الغضب الشعبي الذي يؤدي إلى ضعف الارتباط بينها وبين الناس الذين ما تركوا باباً إلا طرقوه لإيصال أصواتهم، لكن يبدو أن بيت الشعر العربي “لقد أسمعت لو ناديت حيّاً ولكن لا حياة لمن تنادي”، ينطبق على هذه السلطة، فيما المطلوب منها أن تفتح أبوابها للجميع، وتحاورهم وهو ما تعمل عليه الدول التي فيها حكم رشيد، لأنها بغير ذلك تكون كمن يهيل الرمل على رأسه.

ahmed@aljarallah.com

You might also like