بين كونفوشيوس ونيرون … الحكمة تنتصر على الجهل

0 166

أحمد الجارالله

الإنسان ملزمٌ بالمعرفة، والحاكم مجبورٌ على التعلّم من دروس التاريخ، لأن الجهل في ذلك خطيئة ترتد عليه وعلى شعبه، ولهذا ثمة أمم عمّرت واستطاعت بحكمة قائدها أن تصل إلى أعلى مستويات التطور، فيما أخرى أكلتها الأمراض بسبب عدم استيعاب من في السلطة ماذا تعني قوة الشعب، فضرب مسؤولوها بمطالب ناسهم عرض الحائط، فسرعان ما وجدوا أنفسهم أمام طوفان الرفض الذي لم تستطع كل أساليب العنف إيقافه.. فسقطوا.
هكذا حصل في الممالك الرومانية القديمة، وأيضاً في العصور الوسطى، وحتى في التاريخ الحديث، إذ حين تجاهل الحاكم في مصر شعبه، وخيّره بينه وبين الفوضى، خرج الملايين إلى الساحات والميادين مطالبين برحيله، وحين حاول الاستعانة بالجيش وجده يصطف إلى جانب الشعب، فسقط بيده، وعندما أراد “الإخوان” إعادة إنتاج الديكتاتورية من خلال احتكار الدولة وتوزيعها مغانم على أعضاء مكتب الإرشاد، خرج في 30 يونيو 30 مليون مصري إلى الشوارع مطالبين بإقصاء تلك الجماعة من موقع القرار، وكان الجيش أيضا إلى جانب الشعب، وليس ضده، وانتصرت الثورة.
القائد المحنّك هو الذي يقود شعبه بسلاسة إلى حيث يريد، يستمع إلى النخب، ويتفكر بما يقدمه الناس من مطالب، فإن كان تحقيقها ممكناً عمل على تلبيتها، وإن رأى فيها المستحيل صارح شعبه بالمعوقات والعقبات والسلبيات التي تحول دون تحقيقها.
لذا، فإن السلطة، أياً كان شكلها، هي وحدة متكاملة من الأعضاء الذين يقودهم قائد وحده يتحمل المسؤولية عما يفعله الآخرون، وهو أيضا يوجه إلى الطريق الصواب، بعدما يحتكم إلى رأي أهل الخبرة والحل والعقد، فحين تجاهل نيرون رأي حكماء قومه، وخضع لنزواته ثار عليه الشعب واقتحم قصره وقُتل في فراشه، وحين بدأ هتلر مشروعه النازي التوسعي، لم يكن وحده، بل إن حاشية متكاملة من أصحاب المصالح المتضاربة شكّلت مصنع ذلك القرار، فيما كان الشعب مغيباً، ولهذا دفعت ألمانيا الثمن غالياً جداً.
على العكس من ذلك، ثمة بعض دول الخليج العربية كان الحكام فيها على مقربة من شعوبهم فاستمعوا إليهم وتلمسوا حاجاتهم، وعملوا على تلبيتها، ولهذا استطاعوا تلافي موجة “الربيع العربي” التي كان المقصود فيها إزالة هذه الأنظمة، بل إن بعضهم سبق شعبه إلى معالجة أسباب المشكلات، وحقق نجاحاً كبيراً واستطاع الخروج من الأزمة أقوى وأكثر وحدة وانصهاراً بين الشعب والسلطة.
في المقابل، كانت الدولة العميقة في بعض الدول العربية أكثر قوة حين فرضت على السلطة تجاهل المطالب الشعبية، كما حدث في العراق وليبيا وتونس ولبنان، ما أدى إلى خراب تلك البلدان، والطلاق البائن بين الحكم والشعب.
يومياً تثبت التجارب أن الشعوب لا تقبل بحكم قليلي الخبرة، غير القادرين على معرفة ما تفكر فيه شعوبهم، ولهذا يفوز بالغنائم كل حاكم جسور عادل وحكيم يعمل بحكمة كونفوشيوس: “لم يحدث قط أن وجد حاكم يحب الخير وتعجز رعيته عن حب الاستقامة. ولا حدث أن أحب شعب الاستقامة إلا وبدرت أمور الدولة بنجاح”، فالسلطة صورة الشعب فإن تجاهلته لفظها.

ahmed@aljarallah.com

You might also like