حكومات سريعة العطب … وفراغ دستوري مستمر

0 99

يبدو أن العجز بات صفة مستوطنة لدى جهازنا التنفيذي، فيما الذين يستولدونه كل مرة يبدو أنهم لن يستسلموا للأمر الواقع الذي تعيشه البلاد منذ نوفمبر العام 2019، وكأن المقصود ترك الكويت لمصيرها، سفينة بلا حكومة تستطيع سحبها من عين العاصفة وقيادتها إلى بر الأمان، بل يبدو أن لا ميناء تلوح معالمه في الأفق، إنما إمعان في الفراغ السياسي والدستوري والتنفيذي.
نعم، فراغ مركّب كلما خرجنا من حفرة أوقعنا بأخرى أعمق منها، فهل بهذا يكون التعبير عن حب الوطن والتفاني بخدمته، والسعي إلى تقدمه وحفظ استقراره؟
منذ ثلاث سنوات نعيش في ظل حكومات سريعة العطب، لم تتخذ أي إقرار يعول عليه، وكأنها أتت لتستقيل من دورها، وتصرف العاجل من الأمور، حتى أصبح المنصب الوزاري مجرد تنفيعة للمحظيين العاطلين عن العمل الذين أسبغت عليهم نعمة الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي في الإدارة.
عشنا مع أربع حكومات ما إن تهب أول نسمة حتى “تزعل” وتستقيل، وكأن المطلوب ألا يعكر أحد مزاجها وممنوع محاسبتها، حتى لو لم تعمل، فهل بهذه الذهنية تدار الدول، أم هو عقاب جماعي للشعب لأنه رضي بهكذا إدارة اكتفى رئيسها بنظافة الكف وبياض الثوب، هذه الصفة تغنينا بها إلى حد الملل، فيما واجب المسؤول أن يكون على هذا النحو، لكنه زمن الفساد المستمر الذي جعلنا نتوق إلى شخص يتمتع بهذه الصفة؟
كان من الممكن أن تتحول هذه الميزة إلى سلوك حكومي عام، لكنها كانت مجرد لافتة لفساد عمّ المؤسسات كافة، أدى إلى تراجع مالي واقتصادي، وجمود في المشاريع، فيما وضعت ترسانة قوانين لقمع حرية الرأي بوجه كل من يسعى إلى الانتقاد من موقع الخوف على الوطن الذي لا بديل لنا عنه، حتى وصل عدد سنوات الأحكام على المعبرين عن رأيهم إلى نحو 915 وعدد المغردين الهاربين إلى الخارج تعدى 600 كويتي، في بلد وصف منذ وجوده بأنه واحة حرية رأي وتعبير ما جعلها رسالة إبداع ثقافي عربية، ومثالاً في عدم الملاحقات البوليسية.
كل هذا سببه افتقادنا للمسؤول الشجاع المتمتع بمزايا قيادية، المدرك متى وكيف يتخذ القرار، ورغم ذلك بدلاً من الاستعانة بمستشارين مخلصين، جيء بمن ليسوا أهلاً حتى لإدارة بقالة كي يكونوا العون لصاحب القرار، فأصبح الواحد منهم فرعوناً يشق ويخيط حتى ألبست الكويت ثوباً مرقعاً لا يعبر عنها.
كل الدول يقودها شخص لديه قدرات مميزة، ويستعين بخبراء أصحاب رأي سديد، هكذا كانت حال الصين التي صنع نهضتها الحديثة مستشار عراقي، وكذلك كل دول الخليج المجاورة التي تعيش حاليا نهضة كبيرة، فيما الكويت من انحدار إلى آخر، فكل مؤسسات التصنيف العالمية تضعنا في آخر سلم الترتيب، وتنبهنا إلى وضعنا غير المريح جداً.
إذا وجدت الرغبة بالتغيير والإصلاح تصبح الطريق ممهدة للتغلب على المستحيل الذي يجب ألا يكون في قاموس الدول، لا أن نبقى نعيش في ظل حكومات تصريف العاجل من الأمور، فهل، لا سمح الله، إذا حلت أي كارثة بالبلاد ستقول مثل هذه الحكومات هذا الأمر ليس من اختصاصي؟
على الكويت كلها أن تواجه حقيقة وضعها، وأن تكون لدينا إدارة عليا قادرة على العمل، ووقف الفساد، وما عليها إلا أن تراجع ملفات المحاكم كي ترى إلى أي حد أوصلتنا اللامبالاة، والاعتماد على السمعة الشخصية للمسؤول، فنظافة الكف إذا لم تقترن بالجرأة والشجاعة والعمل بجد ونشاط تصبح وبالاً على الدول.

أحمد الجارالله

You might also like