حكومة قياس ثقب طبقة الأوزون

0 314

حين يُعلن البنك الدولي أن معدلات التضخم الحالية هي الأعلى منذ 40 عاماً، فذلك جرس إنذار من أعلى مؤسسة مالية عالمية، والواجب على الجميع في هذا العالم العمل لتفادي المزيد من التبعات السيئة لهذا الأمر.
ثمَّة الكثير من الدول وضعت خططها لامتصاص صدمة التضخم منذ بدء جائحة “كورونا”، ولم تعتمد على مقولة: “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”، فعملت على توسيع دائرة الاستثمار، محلياً وخارجياً، وزادت الدعم الذكي للقطاعات الإنتاجية، خصوصاً الزراعة، لجعل نظامها الغذائي أكثر مرونة لمواجهة أي اضطرابات في الإمدادات أو ارتفاع الأسعار، باعتبارها قضية أمن قومي لا يُمكن التهاون فيها.
فماذا فعلت حكومتُنا حينها؟ وماذا هي فاعلة اليوم في مواجهة أسوأ أزمة تضخم عالمية منذ الحرب الكونية الثانية؟
الجواب باختصار: إن حكوماتنا الأربع الأخيرة بقيت على “طمام المرحوم” تصف العلاجات الخاطئة لمرض قد يتحول مزمناً إذا لم تكن هناك إدارة تنفيذية حصيفة تدرك جيداً المخاطر المُقبلة نتيجة أزمة مستمرة منذ بدأت تطلُّ علينا مع جائحة “كورونا”.
استخفاف حكوماتنا بهذا الأمر كان واضحاً منذ البداية، حين أوكل الأمر إلى الأشخاص الخطأ، ولقد رأينا كيف بدأت عمليات الفساد المفضوحة عبر الهبش من المال العام، بحجة الأوامر المباشرة لمكافحة فيروس “كورونا”.
يومذاك، كانت حكومات الدول المجاورة تصدر أوامرها إلى الصناديق السيادية للاستفادة من الفرص الاستثمارية المُتاحة بكثرة حينها لتعزيز أصولها المالية، وكذلك الاستثمار في الأمن الغذائي، كما فعلت الإمارات وقطر، ومع بدء انحسار الجائحة كانت هذه الدول قد زادت أموالها السيادية، فيما حكومتنا كانت تتلهى بمعركة إقرار قانون الدين العام، ولم تُحرِّك ساكناً.
الحكومة التي جعلت من هذا القانون الأوكسجين للرئة الاقتصادية المحلية لم تكن بحجم المسؤولية، بل بدت ضعيفة ومُرتبكة فيما لديها من الأدوات الدستورية ما يجعلها تفرض هذا القانون أو غيره بمرسوم ضرورة، وإذا عارضها مجلس الأمة يُمكنها الذهاب إلى حله؛ لأنه يُعرقل خطوة تتصل بالأمن القومي للبلاد.
للأسف مجلس الوزراء لم يتخذ أي إجراء في هذا الشأن، وبدلاً من ذلك راح يُساوم على مسائل شكلية عبر تسويات مع النواب لتفادي إسقاط هذا الوزير أو ذاك، وكأنَّ الأشخاص أغلى من الكويت.
إلى اليوم حكوماتنا “الرشيدة حيل” مستمرة بالتخبُّط، فبعد الجلسة اليتيمة لمجلس الوزراء لتشكيل لجنة الأمن الغذائي خرج علينا رئيس اللجنة، أمس، بتصريح فيه الكثير من الاستخفاف بهذه القضية المهمة، بقوله: “ستجتمع اللجنة لتحديد اختصاصاتها”، أي بالعامية “لا تعرف كوعها من بوعها”، فيما بين يدي سمو رئيس مجلس الوزراء خطة متكاملة للأمن الغذائي وضعتها منذ سنوات قليلة الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية، وكذلك لديه الكثير من الاقتراحات الاقتصادية التي تزدحم بها أدارج الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وكذلك مجلس الأمة، ولا يُكلفه ذلك غير أن يُصدر أمراً جريئاً لوضع تلك الخطط موضع التنفيذ.
لكن الواضح أن هذه الحكومة ليست لديها القدرة على التمييز بين المهم والأهم، وما يجب فعله لتفادي أزمة عالمية من هذا النوع لا شكَّ سترخي بظلالها على الكويت، ولذا كل ما نتمناه أن نخرج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، كما هرب منا فيروس “كورونا” بعد أن أكل الأخضر واليابس؛ لأنَّ حكومتنا مشغولة بقياس ثقب طبقة الأوزون.

أحمد الجارالله

You might also like