خليفة بن سلمان رجل الدولة الحكيم

0 3

يأبى العام 2020 أن يمنحنا بارقة فرح واحدة، فهو بدأ حزيناً برحيل السلطان قابوس بن سعيد، تغمده المولى بواسع رحمته، في العاشر من يناير الماضي، وختم الشهر التاسع منه بفجيعة الكويت والخليج والعالم العربي، بل العالم، بوفاة سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، وهاهو الشهر الحادي عشر منه يفجعنا بغياب رجل الدولة المخضرم، السياسي العريق المنحك، رئيس وزراء البحرين، الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة.
ربما علينا أن نطلق على هذه السنة العجفاء، سنة الحزن والألم، ففيها عرف العالم جائحة كبرى، لا تزال تتفشى في أرجائه، وكذلك فقد الخليجيون ثلاثة من قادتهم التاريخيين، ولكل منهم بصمته التي تضيء صفحات التاريخ المعاصر.
دخل الأمير خليفة بن سلمان، منذ نعومة أظفاره، معترك الحياة العامة من خلال تتلمذه على يدي والده حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد، وتقلبه في المناصب حتى تسلمه رئاسة الوزراء في العام 1970، قبيل استقلال المملكة بنحو سنة، ليواكب الاحداث العظام التي مرت بها، بدءا من العمل على إنشاء المؤسسات الحديثة، خصوصا التعليمية التي كان يرى فيها الوجهة الحقيقية لبناء دولة قوية تقوم على الريادة في الحركة الفكرية، وتعميم التعليم من أجل إنسان قادر على مواجهة أصعب الظروف.
على خط آخر كان التحدي الوجودي الذي تمثل في إعلان شاه إيران، عام 1971 طمعه بالمملكة، وسعيه الى ضمها، إلا أن البحرينيين التفوا حول قيادتهم وتصدوا بقلب رجل واحد للأطماع الايرانية، وهو الملف الذي سيستمر يؤرق المنطقة، لأن السياسة الخارجية التوسعية الفارسية لم تتبدل بتبدل النظام من شاهنشاهي الى ملالوي.
كلنا نذكر كيف تصدت القيادة البحرينية لحركة الفوضى التي أطلقها “الحرس الثوري”، والاستخبارات الإيرانية من خلال شبكة عصاباتها المأجورة، عبر اعمال العنف، واحتلال ما كان يسمى دوار اللؤلؤة في المنامة، اذ حينها توهمت شراذم العملاء قدرتها على تطويع هذه القلعة الخليجية الصامدة، فكانت المواجهة، بدعم من قوات “درع الجزيرة” إلى جانب قوات الأمن.
كان الراحل الكبير يدرك، تماماً ،كما جميع قادة الخليج، أن الهدف من إثارة القلاقل في البحرين هو زعزعة الاستقرار في الخليج ككل، إذ حاول نظام التوسع الفارسي فتح كوة في جدار التصدي ليتسلل منها الى بقية دول “مجلس التعاون”، وهو ما جابهته المنامة سريعاً، وقد أدار خليفة بن سلمان، بحكم منصبه، رئيسا للوزراء، الى جانب الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة المعركة بحكمة ورؤية ثاقبة، واستطاعت البحرين تخطي هذا الامتحان الصعب بنجاح كبير.
في خط مواز عمل رجل الدولة المخضرم على إعادة استنهاض الهمم في المشاريع الاقتصادية، وإعادة الحياة الى طبيعتها، حتى خلال التصدي لجائحة “كورونا” وكانت البحرين سبّاقة في وضع الخطط الناجعة التي جنبتها الكثير من الخسائر، وها هي اليوم تعود الى طبيعتها، وتخفض الاصابات وتعيد فتح البلاد.
رحم الله صديق الكويت الذي كان يحرص على زيارتها كل سنة خلال شهر رمضان المبارك، هذا الرجل الذي له مكانة كبيرة في نفوس الكويتيين، كما هي حاله لدى جميع الخليجيين، قادة وشعوباً، اذ كان يحرص طوال حياته على مد جسور التعاون والمحبة بين البحرين وبقية شقيقاتها الخليجيات، تماماً كما هي الحال مع جسر الملك فهد الذي ربط المملكة بالسعودية، وعبرها بكل دول الخليج، براً.
نحن اليوم نفتقد الصديق والرجل المنفتح، أحد القادة الذين سيخلدهم التاريخ على إنجازات كبيرة تحققت بحكمة ومثابرة وعبر تحدي الصعاب… نفتقد رجل الحكمة والدولة، الأمير خليفة بن سلمان، رحمه الله.

أحمد الجارالله

You might also like