ذهنية الشر السّلطوية طردت أينشتاين العراقي وأغرقت “أمة اقرأ” بالجهل والأميّة والشعوذة

0 111

أحمد الجارالله

منذ فترة قرأتُ قصة العالم أينشتاين، ذات يوم من عام 1922 لبّى دعوةً لزيارة اليابان، وإلقاء مُحاضرات، وفي الأثناء وصل إليه خبرُ فوزه بجائزة “نوبل” للفيزياء، كان حينها جالساً في بهو الفندق، وقد طلب من النادل كوب شاي، وحين لم يجد في جيبه مالاً للبقشيش، أمسك ورقة وكتب عليها بضع كلمات، ثم وقَّعها وأعطاها للخادم وقال له: “إذا كنت محظوظاً، فهذه الورقة قد تكون قيّمة”.
في عام 2017 -أي بعد مرور 95 عاماً على تلك الحادثة- اتصل أحد أبناء أخوة عامل الفندق بدار مزادات عارضاً الورقة للبيع، وفي المزاد وصل سعرها إلى 1.5 مليون دولار، وقرأ من يدير المزاد ما كان مكتوباً فيها: “حياة هادئة ومتواضعة تجلب قدراً من السعادة، أكبر من السَّعي للنجاح المصحوب بالتعب المستمر”.
ربما يكون هذا أفضل تكريم لعالم ترك أثراً كبيراً في حياة البشرية، فيما حدث العكس مع أحد تلاميذه، وهو البروفيسور العراقي عبدالجبارعبدالله، أحد أربعة طلاب تتلمذوا على يد أينشتاين في معهد “ماساشوستس” في الولايات المتحدة.
بعد تخرُّجه وعودته إلى العراق تولّى عبدالله في عام 1958 رئاسة جامعة بغداد، وعندما انقلب عبدالكريم قاسم عام 1963 على السلطة، كان هذا العالم الفيزيائي الكبير من بين الذين اعتقلوا، حينذاك، من كوادر وسياسيين وأساتذة وعسكريين.
ويروي أحد زملاء الزنزانة، التي وضع فيها عبدالله نحو عام، أنه كان دائماً مستغرقاً في تأمُّلاته، وأحياناً تنهمر دموعه، وذات يوم تجرَّأ وسأله عن سبب بكائه، فأجاب العالم الكبير: “عندما جاء الحرس القومي لاعتقالي صفعني أحدهم فأسقطني أرضاً، ثم فتش جيوبي وسرق ما لدي، وأخذ فيما أخذه قلم الحبر الذي أهداه إليَّ ألبرت أينشتاين يوم نيلي شهادة الدكتوراه التي وقَّعها به”.
أضاف: “كان قلماً جميلاً من الياقوت الأحمر، ولم أكن أستعمله إلا لتوقيع شهادات الدكتوراه لطلابي في جامعة بغداد، وحقيقة لم تؤلمني الصفعة، ولا الاعتقال المهين، لكن ما آلمني أنَّ الذي صفعني كان أحد طلابي”!
فيما الخادم الياباني أكرم أينشتاين واحتفظ بالقصاصة لأحفاده، فتحوَّلت مع الأيام كنزاً تقديراً للعلم والعلماء، فإنَّ رجال السلطة العراقيين أهانوا أينشتاين العراق والعرب وكسروا قلمه، وأداروا ظهورهم للعلم والتعليم، ليهتموا بإنشاء جيل مهووس بالغناء والكرة والملاهي التي لا تُسمن ولا تُغني ولا تفيد إلا في انهيار الأمة.
تذكرت هذه القصة حين التقيتُ رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، خلال زيارته الكويت قبل فترة، وكنت أود سردها عليه، وأسأله بعدها: هل يرى أي أمل بتغيُّر الوضع العراقي خصوصاً، والعربي عموماً، وأين موقع الأمة التي يُهان علماؤها ويصفع فيها الطالب أستاذه، من الأمم حالياً؟
واقعنا العربي لم يتغيَّر عما كان عليه في عصر الانقلابات العسكرية، ففي عام 2017 الذي بِيعت فيه قصاصة أينشتاين عقدت القمة العالمية للحكومات في دبي، ويومها سرد نائب رئيس دولة الإمارات، حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد أرقاماً صادمة عن الوضع العربي.
مما قاله: “إن عدد العرب يزيد عن 410 ملايين نسمة، بينهم 57 مليوناً لا يعرفون القراءة والكتابة، و13.5 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدرسة هذا العام (2017)، فيما 30 مليوناً يعيشون تحت خط الفقر، يُضاف إليه سنوياً ثمانية في المئة، بينما تبلغ كلفة الفساد تريليون دولار، وهناك خمس دول عربية في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم، ورغم أن العالم العربي يمثل 5 في المئة من سكان العالم، لكنه يشهد 45 في المئة من الهجمات الإرهابية عالمياً، و75 في المئة من اللاجئين عالمياً هم عرب، و68 في المئة من وفيات الحروب عالمياً عرب”.
وفي وقت ينتج العرب سنوياً 20 ألف كتاب فقط، فإنَّ دولة مثل رومانيا تتفوق عليهم بهذا العدد، ويمتلكون 2900 براءة اختراع فقط، بينما 50 مليون كوري لديهم 20201 براءة اختراع، وبين عامي 2011 و2017 تشرد 14 مليون عربي، وبلغ عدد قتلى الحروب1.4 مليون، وفي تلك المرحلة أيضاً بلغت خسائر تدمير البنية التحتية في البلاد العربية نحو 460 مليار دولار، وخسائر الناتج المحلي بين عامي 2011 و2017 بلغت 300 مليار دولار”.
للأسف، إنَّ كلَّ المصائب أعلاه لم تُغيِّر الذهنية العربية، إذ لايزال هناك كثر يسألونك: هل أنت مسيحي أم مسلم، سني أم شيعي؟
لا شكَّ أنَّ أمة كهذه تحاسب على النوايا، والسلطات في غالبية دولها تفتش في عقول المواطنين عن أحلام ممنوعة، وتنشغل بمذاهب وطوائف مواطنيها، هي أمة تضحك من جهلها الأممُ، لذا ألا يدفعنا هذا إلى الغضب والحزن على حالنا التي أوصلتنا إليها ذهنية الشر السلطوية صانعة التخلف، ما جعلنا نعيش هاجس النجاة من حفلات ذبح يُنظمها جهلة جعلوا أمة اقرأ تغرق في الأمية والخزعبلات والشعوذة؟

You might also like