سمو الرئيس… جزُّ صوف الخرفان خيرٌ من سلخ جلود الحملان

0 94

كتب ـ أحمد الجارالله:
جاء في كتاب الرَّحالة الفرنسي قسطنطين فرانسوا ڤولني عن رحلته إلى الشام ومصر في القرن الثامن عشر، أنه حين زار دمشق كانت ولايتها تمرُّ بظروفٍ اقتصادية حرجة؛ بسبب النقص في الموارد والأموال، فجمع الوالي أسعد باشا العظم مُستشاريه، وطلب إليهم المشورة للخروج من تلك الأزمة، فاقترحوا عليه فرض ضريبة على المسيحيين وصغار التجّار.
سألهم الوالي: كم تتوقعون أن تجلب لنا هذه الضريبة؟
قالوا: من خمسين إلى ستين كيساً من الذهب.
فقال: لكنَّ هؤلاء أناساً محدودي الدخل، فمن أين سيأتون بالأموال؟
وأردف سائلٌ قبل أن يصرفهم: ماذا تقولون لو حصلنا على المبلغ المطلوب، وربما أكثر، وبطريقة أفضل؟ من دون أن يُفصح عمّا يجول في خاطره.
في اليوم التالي استدعى، بالسرِّ، مفتي الولاية، وعندما وصل إلى القصر قال أسعد باشا: وردتنا أخبارٌ أنك، ومنذ زمن طويل، تسلك سلوكاً غير صحيح في بيتك، وتشرب الخمر، وتُخالف الشريعة.
ارتعد المفتي خوفاً، وراح يتوسل الوالي عارضاً عليه أموالاً طائلة؛ كي لا يفتضح أمره.
بداية عرض تقديم ألف قطعة ذهبية، لكن أسعد باشا العظم رفض، إلى أن تم الاتفاق، أخيراً، على أن يدفع ستة آلاف ذهبية، وفي اليوم التالي استدعى القاضي وأخبره أن هناك معلومات موثقة عن ارتشائه واستغلاله وخيانة الثقة الممنوحة له من أجل جمع الأموال بغير وجه حق، ارتعد القاضي بدوره وناشد الوالي أن يعفو عنه مقابل دفع مبلغ من المال، وكان له ما أراد، بعدها تمَّ استدعاءُ المُحتسب، وأصحاب المناصب المُهمة في الولاية، وشاهبندر التجار وكبار التجار، مسلمين ومسيحيين، وتعامل معهم بالطريقة نفسها؛ لأنه يعرف كيف جمعوا أموالهم بأساليب غير شرعية وباطلة على حساب الفقراء.
بعد ذلك استدعى أسعد باشا حاشيته ومستشاريه، وقال لهم: لقد جمعت مئتي كيس، بدل الخمسين التي كنتُ سأجمعُها بطريقتكم التي اقترحتموها عليَّ، فتساءلوا بإعجاب: كيف فعلت هذا يا مولانا؟ فأجابهم الوالي بقوله المشهور إلى يومنا هذا: “إن جزَّ صوف الخراف خيرٌ وأحسن من سلخ جلود الحملان”.
في هذه القصة دلالاتٌ على ما يُمكن أن تفعله سلطة القرار حين يعمُّ الفساد، وتضعف قدرة الدولة على مُتابعة شؤون شعبها والوفاء باحتياجاته، وهي تصلح لواقعنا الكويتي، الذي ننام فيه على تحذير من أزمة رواتب لنستيقظ على أخرى، فيما الدولة ينطبق عليها قول طرفة بن العبد:
“كالعِيسِ في البيداءِ يَقتلها الظَّما
والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ”
بمعنى أن لديها الكثير من الموارد المالية المنهوبة، ويفلت السارقون، بينما بدأت الحكومة البحث في الدفاتر القديمة، مثل وقف المشاريع، والمزيد من التضييق على المواطنين، وغيرها من الاقتراحات التي لا تختلف في شكلها ومضمونها عن اقتراح مُستشاري أسعد باشا العظم.
منذ نحو عاميْن يطلع علينا وزير المالية بين الحين والآخر ناعياً مسألة الرواتب، والحديث الطويل عن العجز بالميزانية، الذي يكاد يوحي أن الكويت مقبلة على جفاف الموارد، فهل هذه حقيقة؟ وهل انعدمت الطرق والوسائل للخروج من الأزمة؟
كلُّ دول العالم لديها ترسانة من القوانين المُكافحة للفساد، وثمة دول دخل رؤساء الجمهورية فيها، أو رؤساء حكومات، السجن بتهمة التربح أو الرشوة على حساب المال العام، بينما أعظم المشاريع تُنفذ في تلك الدول بأقل من كُلفتها عندنا بنحو عشرة أضعاف؛ لأنَّ ثمة ضميراً، وإخلاصاً، وأيضاً قانوناً لا يُهادن، وليس فيها “حب خشوم” و”هذا ولدنا”، ولا يعملون بالمثل الكويتي: “مال عمك ما يهمك”، أو يتنطحون بالاتجار بالدين قائلين: “يكفينا شر الحرام اللي ما تطوله ايدينا”.
أما خليجياً، فهناك أمثلة عدة على وقف النهب، وكف أيدي الفاسدين بالحزم، ومن دون انتظار محاكمات وتقارير مُستشارين، ولا أحد يُفسح في المجال لهروب مُتهم، ومنها ما جرى في السعودية العام 2015 حين عزم الملك سلمان بن عبدالعزيز على إطلاق حركة إصلاح جذرية للدولة، المُمهدة لـ”رؤية 2030″، وأوكل الأمر إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي عاد إلى فتح الملفات كافة، فاكتشف أن نحو 10 في المئة أو يزيد من ميزانيات الدولة منذ العام 1980 يذهب إلى الفاسدين، الذين يُسعرون مشاريع الدولة بأعلى التكاليف.
إضافة إلى ذلك، اكتشف أنَّ ثلاثة مليارات متر من الأراضي تمَّ الاستيلاءُ عليها دون وجه حق، وقد وصل سعرها إلى تريليونات الريالات، فأمر بجمع الفاسدين، أمراء وتجار ومقاولين، في فندق “ريتز” الرياض، وعمل على استرداد نحو مئتي مليار دولار منهم، إضافة إلى الأراضي التي استحوذوا عليها.
كذلك الأمر جرى في قطر والإمارات، وغيرهما من الدول الخليجية، التي سعى بعض حُكامها إلى وقف الفساد الذي كان قد أنهك الدولة ومؤسساتها، وأساء إلى سمعتها خارجياً، إلا في الكويت، حيث طار الفاسدون بأموالهم إلى الخارج، فيما بعض الإجراءات الانتقائيّة، التي اتخذت ضد البعض كانت أشبه بالمُسكِّنات، علاوة على أن الذين تكسَّبوا من المشاريع بطرق غير مشروعة لم يُعاقبوا.
لدى السلطة التنفيذية، يا سمو رئيس مجلس الوزراء، الكثير من الصلاحيات الدستورية والقانونية، التي تؤهلها لاسترداد الأموال المنهوبة، ولديها أيضاً القوة الشعبية الداعمة لأي إجراء تتخذه في هذا الشأن، وما عليها إلا أن تحزم أمرها وتتخذ قرارها؛ كي لا نصبح في يوم من الأيام مثل لبنان، الذي نهبت طبقة سياسية مافيوية أمواله، وجعلت شعبه يرزح تحت أزمة لم يشهدها منذ العام 1850، وهذا ما يحدث في العراق وإيران.
لذا أدعو سموكم إلى مُجابهة الأزمة مباشرة، فلا تُحيلوا الأمر إلى اللجان والمستشارين، وتذكروا قول رئيس الوزراء البريطاني الراحل تشرتشل: “إذا أرادت الحكومة دفن قضية أحالتها إلى اللجان”، بل أن تجزوا صوف الخراف خيرٌ من سلخ جلود الحملان، وتتخذوا من قصة أسعد باشا العظم أمثولة، فوالله إنكم بهذا الفعل ستُخلَّدون في تاريخ الكويت، بل التاريخ العربي.

You might also like