صباح الخالد… لكل مجتهد نصيب ولكل امرئ ما سعى

0 363

كتب ـ أحمد الجارالله:
شكراً سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد على كل ما حاولته خلال رئاستك أربعة مجالس وزراء.
لقد اجتهدت، لكنك لم تُصب، وهذا ديدن غالبية الذين مروا على رئاسة مجلس الوزراء منذ ستة عقود إلى اليوم، لأنهم كانوا أشبه بمن يعيش في غابة كبيرة فيها غربان الدولة العميقة وتتكاثر عليه حتى أمسكت في السنوات الأخيرة بكل مفاصل الدولة، وباتت تفعل ما تريد، توجه الوزارات والمؤسسات إلى حيث مصالحها، مستعينة بنواب في مجلس الأمة يمارسون أبشع أنواع الترهيب والابتزاز.
للأسف، سمو الرئيس، إنك لم تبادر إلى تفكيك تلك الدولة التي أدت إلى إفشال مهمتك، فيما لو عملت بما قاله أبو الطيب المتنبي:
“إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ
فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ
فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ
كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ”
ربما كنت قرنت بياض ثوبك ونظافة كفك بالفعل، فأقدمت حيث يجب، ولم تُحل كل شيء إلى مجلس الأمة، الذي قلت عنه في مرات عدة: “ما يخلونا نشتغل، فكل شيء مرهون بموافقة المجلس”، لذا طار من بين يديك قانون الدَّين العام، وسقطت في فخهم حين سعوا لاستكمال إغلاق البلاد، الذي كانوا قد بدأوه مع حكومات سابقة، وهو ما أدى إلى هروب المستثمرين الأجانب والمواطنين إلى الخارج، فيما استمرت الدولة العميقة وبكل قوتها بالإمساك بكل المؤسسات والمشاريع التنموية.
لم يكتف النواب بذلك، بل إنهم تدخلوا في سياسة الكويت الخارجية، وصندوق الأجيال، وأصبحنا نقرأ بيانات مكتوبة بحبر كويتي، لكن تفوح منها رائحة غير كويتية، فيما السلطة التنفيذية هي المعنية بإدارة الدولة، والمسؤولة أمام الشعب والقيادة، لذا ليس في العالم كله عبارة “ما خلونا نشتغل”، إلا في الدول الفاشلة التي تتناتشها الأحزاب والجماعات وأصحاب المصالح المشبوهة.
سمو الرئيس، نعم سعيت، ولكل امرئ ما سعى، غير أن الأخذ بمصلحة البلاد أهم بكثير من الحرص على الإشادات التي تأتي من هنا وهناك، فالدواء مرّ لكنه يشفي، والعملية الجراحية مؤلمة لكنها ضرورة للقضاء على الداء، لذا بدلاً من أن تخضع حكوماتك لهم، كان عليك إسقاطهم، وأن تستعيد الكويت منهم، التي جعلوها أشبه بجزيرة معزولة في هذا العالم، لذا فإن المواطن اليوم يسعى جاهداً إلى الترويح عن نفسه في الخارج، في أي دولة يستطيع الابتسام فيها، وسماع الأغاني بحرية، لا يُنغص عليه أحد من غربان التخلف.
هؤلاء هم مَن تسبّبوا بالزحف الكثيف إلى الخارج عند كل إجازة، لأنهم فرضوا العبوس والتزمُّت على المواطنين، الذين رأيتهم كيف سافروا فور تسلمهم منحة الثلاثة آلاف دينار إلى الخارج، والإجازة الطويلة التي لم يسبق للكويت أن أقفلت مؤسساتها كافة لأكثر من شهر ونصف الشهر في غضون أربعة أشهر، فيما هي بحاجة إلى كل ساعة إنتاج.
منذ أكثر من عام قلنا لسموك عليك أن تقص الحق من نفسك، وتترك هذه المهمة لغيرك، لكنك كنت ترى أن ما تريده ستحصل عليه بالطرق السهلة، أي التسويات والصفقات مع النواب، الذين كانوا كمن يشرب من البحر لا يروي عطشه، لذا يبقى يقول: هل من مزيد؟
كان عليك أن تدرك منذ البدء أنه ليست هناك حكومة في العالم تنجح بهذه الطريقة، حيث لا يمكن لمسؤول غض نظره عن نهب ممنهج للمال العام من خلال مشاريع تُرصد لها الأموال الطائلة، ولا تُنفَّذ بالجودة المطلوبة، بل تتحول قربة مثقوبة تستهلك المزيد من المال عبر ما يسمى أوامر تغييرية، وغيرها من أبواب الهدر المفتوحة على مصاريعها في كل مؤسسات الدولة.
كان عليك أن تقاتل على كل الجبهات من أجل الكويت التي تراجعت في كل نواحي الحياة، أي أن تبدأ من محاربة الرشوة والواسطة، والتعيينات غير المستحقة لأشخاص أساؤوا كثيراً للبلاد، بدءاً من التطبيقات الإلكترونية التي تحولت خلال جائحة “كورونا” مصدراً للاستيلاء على أموال المواطنين من غير حق، وصولاً إلى العجز عن تطبيق القانون على الجميع، فيما في الدول الخليجية الأخرى، أكان في الإمارات أو قطر أو السعودية يجري المواطن كل معاملاته من منزله، ومن دون أي معوقات أو أموال يدفعها لا ويعرف إلى أين تذهب.
في تلك الدول لم ترتعب حكوماتها من زيادة عدد المقيمين على المواطنين، بل عملت على استغلال ذلك وجعل هؤلاء قيمة مضافة لاقتصادها الذي تطور خلال سنوات، وباتت لديها مداخيل غير نفطية تكاد توازي نصف الدخل الوطني، لأنها انفتحت على الآخر، إذ يستطيع أيٌّ كان زيارتها عبر تأشيرة تصدر خلال نصف ساعة، وليس كما هي الحال عندنا، كأن الزائر سيدخل جنة عدن.
سمو الرئيس قسونا عليك في السنوات الماضية، مثل ما قسونا على نظرائك حين أخفقوا، وفي كل ذلك لم نخرج عما ورد في خطاب صاحب السمو الأمير، حفظه الله ورعاه، بشأن الحكومة ومجلس الأمة، لأن الأهم هو الكويت التي نتمنى أن تعود إلى ريادتها التي جعلتها واحة حرية، ومنبع أفكار ملهمة وخلّاقة، لا أن تكون كما هي اليوم، مغلقة تعاني من أزمات لا تنتهي، نريدها وطنناً حاضناً وليس الكويت الطاردة، كي لا نتحول يوماً ما عمالة مهاجرة في الدول الأخرى، لأن مسؤولينا أساؤوا التقدير وغابت عنهم الفطنة.

You might also like