عندما يصبح ابن آوى حكيماً يغدو الأسد والغابة ضحية الخديعة

0 113

حين يخضع ملك الغابة لابن آوى تقع المملكة فريسة الخديعة والانتهازية، وهكذا أمر الدول التي تفتقد رأسها حين يتملكه الضعف، إما لعجز بسبب غياب القرار، أو لعدم القدرة على ممارسته دوره، فتترك الأمور إلى المخادعين الذين يزيدون وهن الدولة ويشيعون فيها الفساد.
في هذا الشأن، يعتبر كتاب “كليلة ودمنة” الذي ألَّفه الفيلسوف الهندي بيدبا دليلاً للحكم الرشيد، إذ سطر فيه نصائحه لإرشاد الملك دبشليم في الحكم، وجعل الحيوانات ناطقة بالحكم والعبر والغابة مملكة منظمة، رغم المأثور أن شريعة الغاب هي الفوضى، وغياب القانون، لكن مع بيدبا الفيلسوف أصبح لتلك المنطقة التي يغلب عليها اللاقانون شريعتها لتنظيم كل أمورها، وهو ما جعل دبشليم يحكم المملكة الهندية في مرحلة صعبة جدا، ويتغلب على العراقيل، ويفرض الأمن والاستقرار.
مما كتبه بيدبا في الفصل الذي يتحدث فيه عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم: “زعموا أن أسداً كان في غابة، ومعه ابن آوى يأكل من فضلات طعامه، ويوماً أصيب الأسد بجرب وضعف شديد، ولم يعد قادرا على الصيد، فقال له ابن آوى: ما بالك يا سيد الأسباع قد تغيرت أحوالك؟
قال: لقد أتعبني هذا الجرب وليس له دواء إلا قلب وأذنيّ حمار، فقال ابن آوى: ما أيسر هذا، لقد عرفت مكان حمار سآتيك به، ثم دلف إلى الحمار وسلم عليه وقال له: ما لي أراك هزيلا؟ فقال الحمار: لسوء تدبير صاحبي، فإنه لا يزال يجيع بطني ويثقل ظهري، وما تجتمع هاتان على جسم إلا أنحلتاه وأسقمتاه.
فقال ابن آوى: كيف ترضى المقام معه على هذا؟ فأجاب: ما لي حيلة للهرب منه، فلست أتوجه إلى جهة إلا أضرّ بي إنسان، فكدَّني وأجاعني.
قال ابن آوى: أنا أدلُك على مكان معزول عن الناس لا يمر به إنسان، خصيب المرعى، فيه قطيع من الحمير ترعى آمنة مطمئنة.
قال الحمار: وما يحبسنا عنها، انطلق بنا إليها. فانطلق به نحو الأسد، وفي الطريق سبقه ابن آوى، فدخل الغابة حيث الأسد، وأخبره بمكان الحمار. فخرج الأسد إليه وأراد أن يثب عليه، لكنه لم يستطع لضعفه، فنجا الحمار منه وهرب.
لما رأى ابن آوى الأسد على هذه الحال، قال: يا سيد السباع، أعجزت عن صيده؟ فقال له: إن جئتني به مرة أخرى لن ينجو مني أبدا.
مضى ابن آوى إلى الحمار ثانية، وقال له: ماذا جرى لك؟ إن أحد الحمير رآك غريباً فخرج يلقاك مرحَباً، ولو ثبتَ لآنسك مضى بك إلى أصحابه.
لما سمع الحمار ذلك، ولم يكن قد رأى أسداً قط، صدَق ما قاله ابن آوى وأخذ طريقه إلى الأسد. فسبقه ابن آوى إلى الأسد وأعلمه بمكانه، وقال له: استعدَ له فقد خدعته لك، فلا يُدركنَك الضعف في هذه النوبة، فإن أفلت لن يعود معي أبداً، والفرص لا تصاب في كل وقت.
جاش جأش الأسد لتحريض ابن آوى، فخرج إلى موضع الحمار، وعاجله بوثبة وافترسه، ثم قال: لقد ذكر الأطباء أنه لا يؤكل إلا بعد الاغتسال والطهور، فاحتفظ به حتى أعود، فآكل قلبه وأذنيه، وأترك لك ما سوى ذلك قوتاً لك.
ما إن ذهب الأسد ليغتسل حتى عمد ابن آوى إلى الحمار، فأكل قلبه وأذنيه رجاء أن يتطير الأسد منه فلا يأكل منه شيئا. ولما رجع الأسد الى عرينه نظر إلى فريسته فوجدها بلا قلب وأذنين، فقال لابن آوى: أين قلب الحمار وأذناه؟ قال ابن آوى: ألم تعلم أنه لو كان له قلب يعقل به وأذنان يسمع بهما لم يرجع إليك بعدما أفلت ونجا من التهلكة؟
حين يضعف الحاكم لأي سبب ويزهد بالحكم ويترك أمور الدولة إلى من ليسوا أهلاً للإدارة يصبح الحكم والشعب ضحيتين للمخادعين فيعمّ الفساد، وتكثر السرقات، وتسود شريعة الغاب، فيأكل المخادع الانتهازي قلب الشعب، ويستحوذ الكذاب على عقل الدولة، وحينها تبدأ مسيرة الانحدار، فيغيب صوت العقل وتتوارى حكمة الحكماء في ضجيج الطمع والاستحواذ، ويصبح الهروب من المركب همّ الجميع.

أحمد الجارالله

You might also like