قديماً قالت العرب: السلطان البعيد عن السلطان

0 185

من أدبيات العرب المتوارثة أن السلطان يكون بين شعبه مطلعاً على أحواله، عاملاً على حل مشكلاته، وحين يبتعد عنه يكون سلطاناً بعيداً عن سلطانه، وعندها لا تتحقق رغباته، مهما كانت نافعة، لأنه عزل نفسه بإرداته، وأفسح في المجال لممارسة العنف ضد كل من يسعى إلى نصيحته، فيسن قوانين تسمح بظلم كل ناصح، ولهذا تنشأ الديكتاتورية وتزيد النقمة عليه.
أما السلطان الحكيم فهو الذي يأخذ برأي كل ناصح، ويتبصر في ما يقال له عن أمور العامة، لأنه يسعى إلى إقامة العدل الذي يوفر له الأمن والأمان، ما يجعله محل تأييد من شعبه في كل ما يقدم عليه من أعمال لقناعة العامة بأن ذلك في مصحلتهم.
وفي العالم اليوم لم يعد هناك ما يخفى على الناس خصوصاً في عصر حرية الرأي والتعبير، والحق بالحصول على المعلومات، ولهذا باتت مساحة حرية وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كبيرة جداً، وبالتالي حين يعزل السطان نفسه عن شعبه فإنه ينعزل عن ذاته، لأن الحقيقة لم تعد تخفى بغربال القمع.
هذا التطور الكبير قابلته الدول بمزيد من التشريعات المرنة، إذ يكفي، مثلًا، أن تكون عقوبة ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي غرامة مالية، في حال كان المنشور يعتدي على خصوصيات الأشخاص العاديين، بينما الشخصيات العامة والعاملون في الشأن العام يتعرضون يومياً لمئات الانتقادات، ولا يتخذ أي إجراء بحق المنتقد.
للأسف في الكويت، التي كانت حتى وقت قريب، تعتبر واحة الحرية الإعلامية عربياً، وتحتل أعلى المراتب في حرية الصحافة، جاءت مجموعة قوانين لتفسح في المجال للسلطة بممارسة ديكتاتورية مقنّعة، أكان في قانون الجزاء العام، أو المطبوعات أو الاتصالات أو الجرائم الإلكترونية، والأخير هو الأشد قمعاً لحرية الرأي والتعبير.
كل هذه الترسانة القانونية أدرجت فيها عقوبة حبس الصحافي والناشر والمغرد أو مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا وصل عدد الأحكام الصادرة على المغردين فقط ما يزيد على 600، بينهم نحو 145 يقضون عقوبات لسنوات طويلة في السجن، منهم 32 امرأة.
كل هؤلاء لم يخفوا أسماءهم لقناعتهم أن الكويت وطنهم الذي يدافعون عنه، ويسعون إلى أن يكون الأفضل، فيما أولئك الذين ينشرون بأسماء مستعارة، ويهتكون كرامات الناس ويدافعون عن الفساد والمفسدين لا أحد يلاحقهم، فيما إذا أرادت السلطة قمع الصحافي أو المغرد الأمين سارعت إلى اتهامه بتهمة جوفاء وهي “المس بأمن الدولة” أو “زعزعة علاقات الكويت بجيرانها والدول الصديقة”، لتمارس ابتزازاً من نوع آخر ضد المغرد أو الوسيلة الإعلامية أو الصحافي.
لا شك أن القضاء الكويتي النزيه والعادل هو الحصن الحصين لكل هؤلاء، فهو ينصفهم ويمنع جور السلطة، لكن ذلك لا يكفي، لأن مجموعة التشريعات العوراء بسبب الثغرات الكثيرة فيها تكون عائقاً صريحاً أمام القضاء، وللأسف أن المشرعين الكويتيين، وغالبيتهم ممن لا يسعون إلى حرية إعلام وصحافة وصدق في الرأي، لم يحاولوا يوماً إلغاء هذه القوانين حتى تبقى سيفاً مصلتاً على رقاب الناس.
لهذا السبب وغيره، بدأت تحتل الكويت المراتب الأخيرة في الإحصاءات العالمية، بدءاً من التعليم مروراً بالسياحة والاستثمارات الأجنبية فيها، وصولاً إلى حرية الإعلام، وهو ما جعل الناس تصرخ مما وصلت إليه، لأن السلطان أوكل الأمر إلى غير أهله، بينما الحكيم هو من يسمع صوت شعبه قبل أصوات المستشارين، وعندما يقابل ذلك بحل مشكلات الناس ستتوجه بالدعاء إليه بدوام الصحة والعافية والاستقرار.

أحمد الجارالله

You might also like