كبسولة الزمن آلة السفر بالحاضر إلى المستقبل

0 34

د.نجلاء يس

كبسولة الزمن، ذلك الصندوق الأسود الدفين الخامل لحين تلقي الإذن بإطلاقه، الذي يمثل شاهد العيان المستقبلي على بعض مما يجري من أحداث ووقائع في عالمنا المعاصر، نظرا لاحتوائه على معلومات وحقائق وأماثيل يضعها أصحابها للتواصل مع غيرهم من البشر في المستقبل، ومساعدتهم على اكتشاف تلك الحقبة الزمنية السابقة والتأريخ لها؛ ليتأكدوا أن أصحابها قد مروا يوماً على هذه الأرض، تاركين أثراً يخبر عنهم كحال من قدموهم.
وهي تماثل في مفهومها رسائل البحار المعروفة في كل زمان ومكان، بما تحويه من أسرار ومغاوث معبأة داخل قوارير زجاجية يملؤها الهواء، قد تجرفها أمواج وتيارات المحيط لفترات زمنية طويلة ما يقلل من فرص نجاتها ووصولها لأصحابها أو تحقيقها لأهدافها، إلا أن إمكانية العثور عليها لاحقاً قد يمثل أمالاً للأجيال المتعاقبة للتعرف على ماضيهم في محاولة لتجنب آثامه، لا سيما أن الذاكرة البشرية محدودة ما يوجب معه توثيق المعرفة المتراكمة لوقت لاحق.
وتمثل إشكالية التأكد من أصالة المحتوى المدفون، ومدى خلوه من التزييف، أمرا حيوياً نظراً لاحتمالية قيام أصحابه بالزج بمعلومات مغلوطة قصداً أو سهواً ما قد يؤثر سلباً على صدق محتوى الخبيئة، بل قد يحيلها إلى قنبلة تاريخية موقوتة تعادل عند العثور عليها وفتحها، فتح صندوق “باندورا” الأسطوري، بما يحتوي عليه من مختلف شرور وفظائع البشر، التي ستتحرر وقتها وتنطلق معرضة الأرض لعواقب وخيمة، لا يفيد عندها الأسف.
ورغماً عن كون مصطلح كبسولة الزمن لم يتم استخدامه بمفهومه الحديث لأول مرة سوى عام 1937 عندما تم إعداد كبسولة لدفنها في معرض نيويورك العالمي عام 1939، إلا أن إخفاء الإنسان لقطع من نفسه في شكل رسائل مخبأة في كبسولات وقت، ليعثر عليها غيره لاحقاً كان تقليداً متبعاً منذ آلاف السنين، فنجد أن الأهرامات التي وقفت تتحدى البشر لعدة قرون ما هي في حقيقتها غير كبسولات زمنية تحمي بداخلها مقابر تضم أسرارا وخبايا ومعارف حضاراتها المندثرة، كذلك كبسولة الزمن المذكورة بملحمة جلجامش التي تعد من أقدم أنواع أدب الملاحم البطولي في تاريخ الحضارات، حيث سُجل في اللوح الأول رقم 22 منها، تعليمات حول كيفية العثور على صندوق من النحاس دُفن في حجر الأساس لأسوار أوروك العظيمة، يحتوي أدلَّةٌ وافيةٌ عن أعمالِ جلجامش ذلك الملك التاريخي لدولة الوركاء السومرية في بلاد الرافدين، وبطل الملحمة.
وبالرغم من أن دفن كبسولات الوقت لم يقتصر على باطن الأرض، بل تخطاه ليطول عنان الفضاء، كحال لوحة فوياجر الذهبية، بنسختيها المتطابقتين اللتين تم إرسالهما على متن مسباري الفضاء التوأمين فوياجرا1، وفوياجرا 2 عام 1977، والمقدر وصولهما لوجهتيهما بنحو 500 مليون سنة، بغرض التعريف بالجنس البشري في حال وجود حيوات عاقلة أخرى خارج نطاق الأرض، إلا أن محتوى الكبسولات الزمنية قد يواجه مشاكل في التعامل مع قضايا المستقبل البعيد المحتملة، بداية بمواجهة العصر الرقمي المظلم، حيث صعوبة أو استحالة قراءة الوسائط المتعددة والوثائق الرقمية التي ستتغير مع الوقت إلى صيغ ملفات قديمة، بالإضافة لاحتمالية اندثار أو اختلاف اللغة، فضلا عن التعرض لعوامل الطبيعة والزمن، والتدمير والتدليس المتعمد لطمس الحقائق، وانتهاء بسرية مواضع الدفن التي تعتمد على انهيار المباني المقبورة في أرضيتها، ما يجعل عملية اكتشافها أمر تحركه محض الصدف البحتة، لنجدها مع عامل الزمن ربما تحولت لحجر رشيد الرقمي الذي لن يستطيع سبر أغواره وفك طلاسمه وأسراره عدا شامبليون المستقبل.

كاتبة مصرية
Naglaa_Yasseen@hotmail.com

You might also like