لو تنظرُ واشنطن إلى وجهها في المرآة

0 151

حين قرأت تقرير الاستخبارات الوطنية الأميركية في ما يتعلَّق بجريمة مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي، والاستنادات التي لجأت إليها الوكالة، حضرني بيتُ الشِّعر التالي من قصيدة طويلة لأبي الأسود الدؤلي:
“يأيها الرجلُ المعلّمُ غيرَه
هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ”.
فإذا كانت هذه طريقة الإدارة الأميركية الجديدة في علاقاتها مع العالم، وخصوصاً الحلفاء، فهي لا شكَّ تتجه إلى إنتاج أزمات من ترّهات وتكهّنات، وإذا كانت واشنطن ترى نفسها حارسة حقوق الإنسان في العالم، فينطبق عليها بيت الشعر أعلاه، إذ قبل أن تُنصّب نفسها مرشدة كونية في هذا الشأن، فعليها أن تتعلم هي ذاتها كيف تكون قدوة فيه، وتعالج الكوارث الحقوقية التي تتسبب بها حول العالم، والجرائم الفظيعة شبه اليومية التي ترتكبها شرطتها في وضح النهار وعلى مرأى من وسائل الإعلام والناس من دون أن تحرك ساكناً، وبهذا ينطبق عليها بيت الشعر الثاني من القصيدة ذاتها:
“لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ”.
التقرير الذي صوَّرته آلة الإعلام الأميركية، وإدارة الرئيس جو بايدن على أنه خطير، ويدين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ليس أكثر من جملة تكهنات مبنية على أقوال مرسلة، وهو بالمناسبة شكّل استفتاءً سعودياً، وخليجياً، وعربياً، وإسلامياً، على مكانة السعودية وقيادة هذا الأمير الشاب وحنكته في إدارة شؤون بلاده، بتوجيهات من الملك سلمان بن عبدالعزيز، لاسيما بعد القرارات الجريئة المتعلقة بالانفتاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، التي اتخذها طوال السنوات الخمس الماضية، وبالتالي فإن ما توقعته إدارة بايدن، “ضربة موجعة للمملكة، وإضعافاً لولي العهد”، إنما هو دافعٌ كبيرٌ لتعزيز دوره والاستمرار على نهج البناء الذي بدأه منذ توليه منصبه.
في موازاة ذلك، ورغم الزوبعة التي آثارها التقرير، لا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن التحالف التاريخي مع السعودية شريكتها الأهم في الشرق الأوسط، إذ رغم بعض التصريحات السلبية لمسؤولين أميركيين، إلا أن هناك التزاماً كبيراً بالتحالف التاريخي، وتأكيد الرئيس جو بايدن بمواجهة “التهديدات من قوى مدعومة من إيران، تواجهها المملكة”، لأنها في الجوهر تهديدات تمس المصالح الستراتيجية الأميركية في المنطقة، لذا اليوم، وبعد التقرير ثمَّة مُعادلة صعبة بات على واشنطن حلها، فهي إما أن تطور تحالفها، وإما أن ترضخ لحماسة بعض مسؤوليها المعادين للعرب عموماً، والسعودية خصوصاً.
صحيحٌ أنَّ هذا التطور شغل بعض الدوائر ووسائل الإعلام التي تسعى إلى تصيد أي خلاف بوجهات النظر بين الحليفين، لكنه لن يُغيِّر في الواقع شيئاً، فمثلاً، الذين استرسلوا بالتكهن بالمستقبل السياسي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان يبدو أنهم يهرفون بما لا يعرفون، لأنَّ هذا الأمر سياديٌّ سعوديٌّ بحت، لا أحد يستطيع تجاوز خطوطه الحمر، لا الولايات المتحدة ولا العالم أجمع، فالأمير الشاب مستمر في تأدية مهمته التي يعبر فيها عن حقيقة تطلعات الشباب، بل الشعب السعودي ككل.
لا شكَّ أنَّ هذا اللغو، أو الملهاة الخلبية التي أطلقتها إدارة الرئيس بايدن انتهت قبل أن تبدأ، بينما المملكة مستمرة في طريقها النهضوي، وهي ليست مُتعلقة بحبل السرة مع الولايات المتحدة، إذ لديها من العلاقات المتينة مع العالم، ما يؤهلها لعقد تحالفات مع كثير من الدول، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتوسع فيها المشاريع الضخمة لعصرنتها.
لقد كان أَوْلى بالإدارة الأميركية التحلي بقليل من الحياء، قبل إطلاق ترّهاتها، فمن كان بيتُهُ من زجاج هشٍّ تكسره هبَّةُ ريح، فلا يرشقُ الآخرين بالحجارة.

أحمد الجارالله

You might also like