مانيلا… وعودة الأمل للديكتاتوريين

0 388

عبدالعزيز محمد العنجري

بعد أن اطاحت ثورة شعبية بوالده قبل 36 عاما، يستلم اليوم الإثنين 30 مايو، فرديناند ماركوس نجل الديكتاتور الفلبيني الراحل ماركوس السلطة رسميا في بلاده البالغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة. الأمر الذي قد يعطي أملا جديدا ينعش طموح الديكتاتوريين السابقين في العالم، كما يعطي درسا قاسيا في الاحباط للمناضلين من أجل الديمقراطية والحرية ومكافحة الفساد.
الديكتاتور ماركوس الذي أطيح في انتفاضة شعبية عام 1986، من أشهر المستبدين الذين عاشوا حياة الترف هو وزوجته إيميلدا وعائلته، ونهبوا المليارات من ثروات البلاد، واتسم حكمه الفردي المطلق بقمع الحريات والتنكيل بالمعارضين، والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، لاسيما خلال فترة الأحكام العرفية.
المفارقة أنه كان حليفا قويا للولايات المتحدة الأميركية، بل نال أثناء حكمه ثقة الرئيس الأميركي ليندون جونسون وخليفته ريتشارد نيكسون اللذين اعتبراه ذراعهما القوية في آسيا وأسموه “رجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”!
بعد هروب ماركوس الأب وعائلته إلى المنفى في هاواي، جاء نظام جديد في الفلبين، توافرت له كل عناصر الحكم الديمقراطي، من دستور وبرلمان وصحافة حرة ومجتمع مدني قوي، لكن بعضًا من أكبر العائلات التجارية المسيطرة على الثروة هناك تمكنت من النفاذ للبرلمان والسيطرة على مفاصل البلاد من جديد، وفي ظل تناحرالقوى الديمقراطية وتشتتها وعدم تحقيقها انجازات للمواطنين، تعاظمت مكاسب حلفاء الديكتاتور تدريجيا.
وعندما توفي ماركوس الأب في 1989، عادت عائلته للفلبين 1991، لتبدأ أرملته إيميلدا سعيها للسيطرة على السلطة، وقد فازت والعديد من أفراد العائلة بمقاعد في البرلمانات المتتالية، واحتفظ ابنها بمقعد ثابت في البرلمان منذ 1991، حتى توج هذا السعي بوصوله حاليا لأعلى منصب في البلاد وهو عمره 64 عاما، ووقفت إيميلدا، وهي في 92 من عمرها، تصفق لفوز ابنها بالرئاسة بعد أن حقق لها هذا الحلم في نهاية عمرها.
منذ عودتها للبلاد خططت إيميلدا جيدا لتحسين صورة زوجها الديكتاتور وعائلته، ووصل الأمر بها إلى تغييرها لوقائع التاريخ ليصبح عهد ماركوس الفاسد هو العصرالذهبي للبلاد، وتمكنت عبر خطة طويلة المدى استمرت 30 عاما من غسل الأدمغة، واستعانت في السنوات الأخيرة بأكبر شركات الإعلام والتسويق في العالم لاستغلال وسائل التواصل الاجتماعي، وقد حققت نجاحا باهرا.
قالت إيميلدا عن زوجها الذي شاركته بنهب أموال الشعب: “لقد كان أفضل رئيس للفلبين، وخلال حكمه تمتعنا بوحدة البلاد، والحرية والعدالة وحقوق الإنسان”، وهو زعم يجافي الواقع والتاريخ الواضح.
ما يهمنا في هذه الملحمة الفلبينية الحزينة، هو انعكاساتها على واقعنا العربي والإقليمي، حيث يشهد العالم انحسارا واضحا للديمقراطية لا يقتصر على دولنا فقط، بالإضافة لصعود حركات اليمين المتطرف في أوروبا الغربية.
ورغم إطاحة شخصيات مثل القذافي في ليبيا ومبارك في مصر وزين العابدين في تونس والبشير في السودان وعلي عبدالله صالح في اليمن، إلا أن انظمة الحكم التي جاءت بعد ذلك لم تحقق شيئا مما سعت له الثورات، وبعضها أصبح أكثر قسوة وأشد فسادا مما سبقها، وأفشل في إدارة الدولة، ولا نستبعد أن يعمل بعض أبناء هؤلاء الحكام الفاسدين، أو أحفادهم، حاليا ومستقبلًا، على إعادة تسويق مشابهة لما تم في الفلبين على أمل العودة من جديد للسلطة.
كانت وسائل التواصل الاجتماعي عند نشأتها ملاذا لبعض الشعوب المستضعفة في مواجهة الاعلام الرسمي الذي يشوه الحقائق، وبعد عقد من الزمان تحولت هذه الوسائل أداة فاعلة بيد الأنظمة المستبدة التي تعلمت بعد سنوات من الدراسات والتطوير سبل إعادة توجيه هذا السلاح لمصلحتها واستخدمت مواقع التواصل الاجتماعي لخلق رأي عام زائف يزين الأتباع ويشوه الخصوم بشكل لا يختلف كثيرا عن إعلامها الرسمي.
حاول محاربو الفساد في الفلبين استعادة الأموال المنهوبة على يد عائلة ماركوس، وبعد الاستعانة بأجهزة مكافحة الفساد، المحلية والدولية على كثرة عددها، فشلوا في ذلك، كما أن الأحكام القضائية لم تنصفهم، وهو درس لكثير من المدافعين عن أموال الشعوب وحقوقهم يبين أن تحويل قضايا الفساد الكبرى للقضاء، يعني شرعنة للفساد عبر القضاء وأحكامه اذا كان قضاء غير نزيه وغير عادل، وهو نتيجة مطلوبة ومرغوبة يسعى لها الفاسدون أنفسهم للحصول على البراءة في مواجهة خصومهم.
ختاما، نرجو أن يستفيد المدافعون عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله في العالم من أخطائهم، لأن يبدو أن الديكتاتوريين وأسرهم أصبحوا يتعلمون من أخطائهم.
$ المؤسس، الرئيس التنفيذي،
لمركز ريكونسنس للبحوث والدراسات

You might also like