مبدأ الحيادية مفقود في الوطن العربي

0 12

حسن علي كرم

كتبت الزميلة الكاتبة القديرة والاستاذة الجامعية سعاد المعجل، مقالة تحت عنوان “الكويت دولة محايدة ” المقال، في حد ذاته، سرد جميل لمسارات الحيادية تاريخياً و سياسياً، ضاربة أمثلة بدول مثل سويسرا و دول الإسكندنافية، وهذه دول حتى وقت قصير حاولت ان تمسك بعصا الحيادية في ظل اجواء دولية محمومة ترفض الحيادية، و ترفع راية إما ان تكون معي او انت ضدي، شعار التبعية ربما اكثر دولة غطرسة رافعة هذا الشعار”التبعية” هي الولايات المتحدة الاميركية، فنحن نرى كيف ان اميركا تُمارس الاستقواء والبلطجة على دول مستضعفة، تحاول ان تبعد نفسها عن الحروب والمشاكل الدولية التي لا تعنيها، لكن اميركا التي لا تعرف الا سياسة رعاة البقر ترفض ترك عُبَّاد الله في حالهم، وعندما تفرض الحصار والمقاطعة والتجويع على دول ضعيفة بذرائع واهية ومضحكة ومؤلمة، هذا لا يعني الا ان اميركا اكبر دولة ارهابية، تريد من دول لا حول لها ولا قوة ان تكون تابعة وارهابية، فالدين بمفهوم السياسة الاميركية ارهاب و الانفراد بصناعة معينة ارهاب و تصدير المنتجات لا ينبغي ان تزيد عن حجم معين.
هذا يذكرني بذلك البدوي الذي قال لزوجته ان تقدمتي طالق و إن جلستي طالق و ان عدتي طالق، هناك حروب خارج سياق المنطق و هي لا تدل الا على الانانية و فرض القوة، هناك حرب اقتصادية بين القوتين العظميين الصين و اميركا، ولا يتضرر من تلك الحرب الا الدول الصغرى التي تحتاج الى الصناعات المبتكرة او التقليدية، باعتبار ان هناك دولا عاجزة عن توفير احتياجاتها الصناعية ذاتياً لاسيما الإلكترونيات.
الحياد كلمة جميلة ورومانسية لكن إيقاعها في دنيا السياسة وتقاطع المصالح يعد نشازاً، الكويت اتخذت مبدأ الحيادية والانعزال او الانكفاء على الذات ليس ما بعد الاستقلال كما يتصور البعض، لكن منذ ما قبل الاستقلال بحقبٍ طويلة، لكن رغم ذلك انجرت الى حروب واصطفافات لا قبل لها بها، على اساس وجودوا في هذه البقعة المكان المناسب لالتقاط أرزاقهم، لكن عندما نقلب صفحات تاريخ هذه البلاد كم حرباً او غزوة خاضتها الكويت، هل كانت مدفوعة جراء مطامع او شهوة الذات والتوسع لتخوض تلك الحروب ام فرضت عليها.
في كتابه “تاريخ الكويت السياسي” ينقل حسين خلف خزعل ان بدوياً رأى في الطريق وهو على بعيره خياماً منصوبة، فسأل أصحابها ماذا يرومون من نصب الخيام ها هنا فأخبروه انهم ذاهبون لغزو الكويت، فضحك الرجل على غبائهم و اخبرهم ان الكويتيين ركبوا سفنهم وغادروا، هل كان هناك حل غير المغادرة لشعب قليلي عدد مسالمين مجردين من السلاح بسطاء لا يعنيهم في الدنيا الا الأمان و التقاط الرزق.
نحن، واعني الكويت احوج ما نكون للحياد والنأي بالنفس عن المشاكل، لكن وجدنا انفسنا منذ الاستقلال او قبل الاستقلال وقد نزلت علينا بلاوى من كل صوب، الزعيم الاوحد دعا بالحق التاريخي واراد ان يبتلعنا بشربة ماء، ومن ذلك التاريخ أوجدنا في دواخلنا الضعف والهزال، وصرنا مرة نميل الى الشمال ومرة الى اليمين، وكل ذلك لا لأن نتمسك بحيادنا ولكن ان نحافظ على البقية الباقية من ارضنا التي ابتلعوها برداً و سلاماً و نحن نضحك بدلًا من البكاء.
في الحرب العراقية الإيرانية زعمنا اننا محايدون لكن الحقيقة فشلنا ان نمسك العصا من الوسط، فلقد جعلنا من بلدنا الحديقة الخلفية لصدام حسين، و دفعنا له المليارات ودفعنا من اموالنا ثمن السلاح الذي كان يتدفق عليه بواسطتنا وعبر اراضينا، هل كان ذلك يشكل حياداً ام انخراطاً في حرب عدوانية عبثية حمقاء لم تكن الا لإشباع غرور و نزق زعيم جاهل احمق و ارعن و بلطجي، و كان الثمن تالياً ان غزانا باموالنا و السلاح الذي اشتريناه لكي يقتلنا به، الحياد ليس شعاراً دعائياً يردد عبر القنوات الإعلامية، وانما مبدأ اخلاقي قبل ان يكون سياسياً، و الحياد لا يهبط في منطقتنا، ولن تتوافر، شروط الحيادية في منطقة ليست مأوى للبشر والعيش المشترك، انما غابة ومجموعة من انواع حيوانات شرسة على شكل بشر، وكل ينقض على الاخر كلما سنحت له الظروف المناسبة، هل ندعي الحيادية ونحن بلا مبرر نعادي اسرائيل؟ مع انها تفصلنا عنهم الاف الاميال، علينا ان نعرف ان شروط الحياد عدم التدخل الدين والارض و النأي عن الحروب.
جملة القول ان الحياد لا تتوافر ظروفه المناسبة لا للكويت ولا لأي بلد من بلدان المنطقة، طالما بقيت القوى العالمية الشريرة تتصارع عليها و طالما ناسها يرفضون التخلي عن شهوة الانقضاض والمطامع و المؤامرات.

$ صحافي كويتي

hasanalikaram@gmail.com

You might also like