محمد حميد الله الحيدر آبادي من أعلام الثقافة الإسلامية قصص إسلامية

0 58

محمد الفوزان

هو أحد أعلام الثقافة العربية الإسلامية الكبار في العصر الحديث، محدّث وفقيه، وأحد كبار العلماء والدعاة الذين أنجبتهم شبه القارة الهندية بعامة.
هذا الرجل الذي رفض الجنسية الفرنسية حين عُرضت عليه، فأباها مكتفيًا ومفتخرًا بجنسيته الحيدر أبادية.
هذا الرجل أسلم على يديه أكثر من 40 الف شخص في فرنسا خلال نصف قرن عاش فيها، كان يتقن 22 لغة، وآخر لغة تعلّمها هي التايلنديةوكان عمره 84 عاما، لم يتزوّج؛ لكنه تزوّج العلم فقط وأنجب منه 450 كتابًا بلغات عدة، كما أنه دبج أكثر من 937 مقالة في مختلف اللغات العالمية.
رفض قبول جائزة قيمة من إحدى الدول الإسلامية قائلاً:” أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل، فلا تفسدوا عليّ ديني”.
كان يغسل الأواني بيده مع طلبته أثناء رحلتهم في فرنسا،رغم مكانته العلميّة الهائلة جدًا آنذاك، عندما نال أرفع وسام من رئيس باكستان الراحل محمد ضياء الحق لأعماله المميزة في السيرة، تبرع بقيمة الجائزة، وهي مليون روبية لمعهد الدراسات الإسلامية في إسلام آباد قائلاً:” لو قبلت الجائزة في هذه الدنيا الفانية، فماذا سأنال هناك في الدار الباقية”؟
ولد عام1908 في حيدر آباد بجنوب الهند، وهو ينتسب إلى أسرة ترجع جذورها إلى قبيلة قريش، وهاجرت من الحجاز إلى البصرة خوفًا من بطش الحجاج بن يوسف، ثم استقر المقام بسلالتها في الهند خلال القرن الثامن الميلادي.
وفي عام 1934 التحق بجامعة الـ”سوربون” الفرنسية، فحصل منها على شهادته الثانية للدكتوراه عن رسالته المعنونة”الديبلوماسية الإسلامية في العصر النبوي والخلافة الراشدة”، وهي التي أصبحتْ فيما بعد كتابَه الأشهر باللغة العربية بعنوان “مجموعة الوثائق السياسية للعصر النبوي والخلافة الراشدة”، وهو أشهر كتبه.
شرّفه الله بترجمة القرآن إلى اللغة الفرنسية، وهو أوّل من أثبت أنّ الحديث الشريف تمّت كتابته في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عبر تحقيق صحيفة همام بن منبّه، عن مخطوطة برلين، بعد أن حققها وعلق عليها مع مقدمة في تاريخ تدوين الحديث، وطبعت في بيروت، وتحتوي هذه الصحيفة على أحاديث كتبها أبو هريرة الصحابي الشهير عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعرف بالصحيفة الصحيحة، ثم نقلها عنه تلميذه همام بن منبه، وهذا أقدم ما وصل إلينا كتابةً عن النبي، وقد عثر على مخطوطاتها ببرلين أثناء دراسته في ألمانيا ثم دله الدكتور زبير أحمد الصديقي على نسخة أخرى للصحيفة في المكتبة الظاهرية بدمشق فحقق هذه الصحيفة، وقارن بين نسختيها، وكتب مقدمةً ضافية في تدوين الحديث وكتابته في العهد النبوي، وأثبت بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة أن الحديث كان يُكتب في أيام الرسول، كما أن النبي كتب كتابًا للمهاجرين والأنصار واليهود للتعامل بينهم، وهو يعتبر أول وثيقة دستورية للدولة الإسلامية التي كان رئيسها النبي (صلى الله عليه وسلم).
وهكذا فنّد المزاعم الباطلة التي ينشرها أعداء الدين، إذ يقولون:” إن الأحاديث لم تُكتب إلا بعد القرن الثالث الهجري”. وخرج أحاديثها التي يبلغ عددها 138 حديثًا، وهذه الصحيفة ترجمت إلى الأوردية والفرنسية والإنكليزية والتركية.
لم يتوقف هذا الرجل عن العمل والتأليف إلا بعد أن صار طريحًا للفراش لسنتين قبل وفاته، حيث كان مع ابنة أخته في الولايات المتحدة، وتوفي سنة 2002 في الرابعة والتسعين من عمره، إنه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حميد الله الهندي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ.

m.f.Alfouzan@hotmail.com

You might also like