مخالفو الإقامة… وحكومة الأصمخ بالزفة

0 203

لأنَّ الهدف خطأ فإنَّ الطلقة لا تصيب أبداً، هذا المبدأ المعمول به في الكويت، التي لا تنفك وزارة داخليتها عن الإعلان بين الفينة والأخرى عن حملات على مُخالفي قانون الإقامة، الذين لم ينقص عددهم عن مئة وخمسين ألفاً في أي مرحلة من المراحل، حتى أثناء جائحة “كورونا” والتسهيلات التي منحت لهؤلاء لمغادرة البلاد، بل في تلك الحملة “توهقت” الداخلية بالعدد الهائل الذي حضر بملء إرادته للمغادرة، واضطرت لإيواء الناس في معسكرات تفتقر للشروط الإنسانية.
منذ العام 1959 لم يتغيَّر جوهر قانون إقامة الأجانب، بل كانت تعديلاتُهُ مجرد رتوش، بدءاً من حبس المخالف إلى حين دفع كفيله ثمن بطاقة سفر عودته إلى بلاده، وصولاً إلى المحظورات الكثيرة التي سرعان ما يُجهضها قانون العمل في القطاع الأهلي، الذي يكاد يكون بوابة فساد لا تسد.
هذا الوضع الشاذ تسبب في العقود الثلاثة الماضية بوجود نسبة هائلة من الوافدين جلبوا إلى البلاد بإغراءات عدة، الذين كانوا يسعون إلى عمل مستقر لتوفير ما يؤمن مستقبلهم، وهو ما دفعهم إلى بيع مصدر رزقهم في أوطانهم لشراء تأشيرة من تاجر جشع سعى إلى كسب المال من الناس البسطاء، وما إن حضروا إلى الكويت حتى وجدوا أنفسهم في الشارع، بلا عمل ولا مأوى، وعليهم أن يدفعوا لهذا سنوياً مبلغاً يفوق طاقتهم لتجديد إقاماتهم، أو يصبحوا مخالفين وملاحقين.
لذلك فإنَّ الحملات على هؤلاء المخالفين هي تبييض لصفحة المتاجرين بالبشر، فإذا أبعد 20 ألفاً، رأينا في غضون أيام صدور تأشيرات عمل للعدد نفسه، أي باختصار إن أولئك التجار دفعوا بوزارة الداخلية من غير قصد للعمل لمصلحتهم.
كل وافد مخالف في سجن الإبعاد يُكلف الدولة يومياً أكثر من 30 ديناراً، فيما تذكرة السفر لا تتعدى 60 ديناراً، وبحسبة بسيطة ما يتكلفه المال العام على هؤلاء أكثر بكثير مما يُمكن أن تجنيه الدولة من إبعادهم، أضف إلى ذلك أن السجون لا تتسع لهذا العدد الهائل من المخالفين، لذا ليس مستغرباً إعلان بعض المؤسسات الرسمية أن منطقة مثل جليب الشيوخ تضمُّ نحو 30 ألف مخالف.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن كلَّ الوسائل السابقة لم تنفع بمعالجة هذا الملف، بينما لو سلكت حكومتنا “الرشيدة” الطريق الذي سارت فيه المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، وقطر، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا، وغيرها من الدول، لوفرت على نفسها الكثير، ولاستفادت من قوة العمل تلك.
فما المانع من أن تمنح التأشيرات والإقامات من الدولة مباشرة، ويدفع هؤلاء المخالفون رسوماً لها، كما هي الحال في الدول التي ذكرنا، وأن يُمنحوا على ضوء ذلك إقامة، فإن وجدوا عملاً استمروا، وإذا لم يجدوا سافروا إلى بلادهم.
ولأن القانون عند العرب للرقص ليلاً على أنغام الآلة المُسمّاة على اسمه، وللحكم نهاراً، فقد ضاعت التركيبة السكانية بين حملات الداخلية وقانونها ورقص القوى العاملة على قانونها أيضاً، فيما الحكومة تبدو مثل الأصمخ في الزفة.

أحمد الجارالله

You might also like