من أيزنهاور إلى بايدن… هل تغيَّرت رؤية واشنطن للمشهد الخليجي؟

0 260

كتب ـ أحمد الجارالله:
يحل بعد غد وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن ضيفاً على الكويت، في أولى زياراته للحليف الستراتيجي من خارج الناتو، وهي زيارة تنطوي على دلالات عدة، غير أن الأهم في كل ذلك هو أن تكون لدى الوزير الضيف صورة عن نظرة الخليجيين عموماً، والكويتيين خصوصاً، إلى بلاده، وأهمية دورها في هذه المنطقة التي باتت أشبه بمرجل يغلي، ومن غير المعروف متى ينفجر، جراء عقود من التقلبات الأميركية في العلاقة معها.
منذ ثلاثينات القرن الماضي ولدت العلاقات الخليجية- الأميركية ونمت بعد الخروج البريطاني في الستينات والسبعينات، لكن في تلك الفترة استغل الاتحاد السوفياتي الفراغ السياسي في تسويق نظريته عبر الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم العربي عموماً، والخليج خصوصاً، مستفيداً من دعايته في تصوير الولايات المتحدة قوة غازية ومحاربة لحرية الشعوب.
حينها بدت واشنطن كأنها غير مهتمة بتطوير علاقاتها العربية، خصوصاً الخليجية، لذا كان كل ما فعلته خلال العدوان الثلاثي على مصر، وتأييد أيزنهاور لعبدالناصر والضغط على باريس ولندن وتل أبيب لوقف العدوان، هدمته في تكتيكاتها، إذ بدلاً من استمالة مصر، ومن بعدها كل الدول العربية، أفسحت في المجال لمزيد من التغلغل السوفياتي، حتى وصلت الراية الحمراء إلى تسع عواصم عربية، بينما انشغلت واشنطن بتعظيم القدرة العسكرية الإسرائيلية، غير مدركة أن ذلك يعزز العداء الشعبي لها، فيما لا تستطيع النخب ومؤسسات الحكم معارضة المزاج العام الضاغط.
أكبر الأخطاء الأميركية كانت في عهد الرئيس جيمي كارتر حين لم تقرأ إدارته توجهات شاه إيران التنموية، إذ رأت بإفساحه مجالاً محدوداً للصناعات الأوروبية واليابانية والصينية جنباً الى جنب مع مثيلاتها الأميركية، في خطته الثلاثينية التي أعلنها عام 1969، نوعاً من التمرد على نفوذها الاقتصادي في المنطقة، فعمدت إلى تجييش جماعات دينية طائفية بزعامة الخميني الذي أعلن فور وصوله للسلطة العداء للحلفاء الذين أوصلوه، خصوصاً فرنسا والولايات المتحدة التي وصفها بـ”الشيطان الأكبر”، كاشفاً عن مشروعه الهدام، ليس لإيران فقط، بل للعالم العربي وافريقيا بجعله “تصدير الثورة” وفقاً لرؤيته هدفه الستراتيجي.
جاء تصحيح مسار العلاقات الخليجية- الأميركية بدحر الغزو الصدامي للكويت عام 1990، بإعلان الرئيس جورج بوش الأب إقامة التحالف الثلاثيني، وعموده الفقري الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، غير أن تلك العلاقات أصيبت بنكسة كبيرة في عهد باراك أوباما الذي نشر مبدأ “الفوضى الخلاقة” ومباركته ما سمي”الربيع العربي”، مانحاً قوة هائلة لجماعة الإرهاب المتأسلمة ( الإخوان المسلمين).
لم تستطع إدارة الرئيس دونالد ترامب إصلاح الخراب الذي أحدثته إدارة سلفه، لكنها شكلت سوراً واقياً من التمدد الإيراني عبر العقوبات وخروجها من الاتفاق النووي وهو أشبه باتفاق ميونخ الذي مهد للحرب العالمية الثانية.
ترى النخب الخليجية والعربية والأوروبية الرئيس جو بايدن امتداداً لسياسة أوباما، واليوم يدخل الوزير الأميركي انتوني بلينكن الخليج من البوابة الكويتية بهذه الصورة، فيما هناك ملفات عدة حساسة مفتوحة تتطلب جهداً أميركياً كبيراً في ترسيخ قيم العدالة والحقوق المشروعة لدول المنطقة بالدفاع عن نفسها ضد الوحش الإيراني الذي بدأ يستعيد قوته من خلال مفاوضات فيينا التي هي حقن منشطة له بعدما استفحلت أزمته الداخلية وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية ضده.
لكل هذا نتمنى على الوزير الأميركي أن لا تكرر بلاده ما فعلته مع بريطانيا في الحرب العالمية الثانية حين كاد يعجز ونستون تشرشل عن إقناعها بدعمه في وقف العدوان النازي على المملكة المتحدة، وهو في الحقيقة لا يختلف في الشكل والمضمون عن العدوان الإيراني الحالي على دول وشعوب المنطقة.

You might also like