من حمورابي إلى الاحتلال الإيرانيّ… العراق تاريخٌ من الدم وفرصة واعدة

0 150

كتب ـ أحمد الجارالله:
منذ ما بعد حكم حمورابي العراق قبل 22 قرناً، لم يستقر هذا البلد، إما كان يغرق في الحروب بين ولاياته وإماراته، وإما يقع فريسة غزو أجنبي، فقط ثلاث مرات طوال 2200 سنة شهد استقراراً نسبياً.
الأولى: حين وحَّد الملك البابلي السادس حمورابي دُوَيْلاته المتنازعة، وعمل على ردِّ غزوات الخارج، إضافة إلى سَنِّه أهم شريعة قانونية لا تزال مرجعاً إلى اليوم.
الثانية: في عهد عبدالملك بن مروان، الذي حكمها بالحديد والنار، عَبْر عامله عليها، الحجاج بن يوسف الثقفي، صاحب المقولة الشهيرة: “يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق…” والتي ذهبت مثلاً.
أما الثالثة: فكانت في عهد هارون الرشيد، لكنها لم تستمر طويلاً، إذ غزاها المغول في عهد المُستعصم بالله، الذي كان آخر ملوك العباسيين.
بعد ذلك غرقت البلادُ بالحروب والدَّسائس والانقلابات، حتى حين أعلنت الدولة الحديثة في العام 1921، وحاول الملك فيصل الأول إخراجها من نفق الاقتتال والاحتراب، ونجح لفترة رغم بعض حركات التمرُّد، غَيْر أنَّ تلك الدولة انتهت مع “ثورة تموز” عام 1958، حين أسقطت مجموعة ضباط الحكم الملكي، وارتكبت واحدة من أبشع المجارز بسحل الناس في الشوارع.
بعد ذلك درجت عادة الانقلابات، البيضاء أو الدموية، وتوجت بحفلة إعدامات قاعة الخلد حين أمر صدام حسين في العام 1979، بإعدام عشرات المسؤولين بالدولة وحزب البعث؛ لينفرد بالحكم، لكن لم يكد يمرُّ عامٌ حتى أشعل حرباً مع إيران استمرت ثماني سنوات.
صحيح أنَّ تلك الفترة شهدت استقراراً داخلياً، لكن البلاد كانت تواجه سلسلة من الأزمات نتيجة الحرب العبثية على الحدود، أدَّت إلى هروب صدام من مُواجهة مُشكلاته الداخلية بغزوه الكويت، في واحدة من أبشع الغزوات والجرائم ضد الإنسانية على مرِّ التاريخ الحديث.
جريمة صدام هذه أدخلت العراق دهاليز الحصار الدولي، والجوع، إضافة إلى زيادة القمع البعثي الذي تكشف بعد سقوط نظامه، في العام 2003، عن مئات المقابر الجماعية لمعارضين، إضافة إلى أنه أعاد إحياء الشرخ الاجتماعي، ولعب على التناقضات المذهبية والطائفية، ما تسبَّب بعد الغزو الأميركي بسيطرة العصابات الطائفية العميلة لإيران، وسعيها إلى الانتقام من بقية المكونات الدينية والطائفية، من أجل تكريس الهيمنة وفقاً للقاعدة المعروفة “فَرِّق تسد”.
بعد 18 عاماً من السيطرة الإيرانية لا يبدو العراق أفضل مما كان عليه في السابق، بل هو أقرب إلى الدولة الفاشلة، الغارقة بالانقسامات المذهبية والطائفية، والنهب الممنهج الذي وصل إلى نحو 300 مليار دولار، سرقها عملاءُ طهران من أجل دعم اقتصادها، فيما يتضوَّر العراقيون جوعاً.
نعم، يحتاج العراق إلى ديكتاتور عادل، يعمل على تفكيك منظومة الفساد والإجرام التي أسَّستها إيران، كما هي حالها مع عصاباتها في لبنان واليمن، وأن يعمل على استعادة بلاد الرافدين من براثن الوحش الفارسي وإعادة هويتها العربية.
لهذا عَلَّقَ العراقيون خصوصاً، والخليجيون عموماً، الآمال على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي قطع خطوات مهمة منذ توليه منصبه، أكان على مستوى الإصلاح الداخلي، أم في علاقاته الخليجية والعربية، ولهذا السبب ينظر المراقبون إلى زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية على أنها تصويبٌ للبوصلة التي كان اتجاهُها خطأً طوال العقديْن الماضييْن.
ربما هذه هي الفرصة الأخيرة الواعدة لبلاد ما بين النَّهريْن، فإذا خسرها العراقيون يعني ذلك أنَّ لا خلاص لهم، فإما سيبقون يسبحون بدمائهم في حروب أهلية، وإما يؤذون جيرانهم، وفي كلتا الحالتين هم الخاسرون.

You might also like