من ملك مصر إلى هارون الرشيد… هيبةُ الدولة قرارُ حاكمٍ مُستنير

0 115

أحمد الجارالله

هيبة الدولة هي قرار الحاكم الذي يقيس الأمور انطلاقاً مما يخدم رعيته، فلا يركن إلى مُستشارين ويُعطيهم “الخيط والمخيط”، خصوصاً إذا كانوا ممن يسعون إلى إعلاء مصالحهم الخاصة على مصالح الدولة، وفي التاريخ الكثير من الشواهد على أمثال هؤلاء، الذين تسبَّبوا بخراب دول عظيمة.
فيما في المُقابل، فإنَّ الدول التي يسعى حكامُها إلى خدمة شعوبهم، كانت لها المرتبة العُليا في كلِّ شيء؛ لأنَّ الحاكم المُتنور هو من يرى استقراره باستقرار دولته وتقدمها وتطورها، أما الذي يسجن نفسه في برج المُستشارين فينعزل عن شعبه، ويتبع أوهامه على شاكلة هتلر، الذي تسبَّب قصر نظره السياسي، ليس في هدم ألمانيا فقط، بل بحرب عالمية قتل فيها نحو 50 مليون نسمة.
ربما تكون الدولة العباسية في عهد هارون الرشيد أوضح الأمثلة على ما يتسبب به المستشارون الخونة من خراب، فالبرامكة الذين كان شأنُهم عظيماً في عهد الرشيد، مهَّدوا إلى الاستيلاء على الحكم من خلال دسِّ الدَّسائس بين أفراد أسرته، وقرَّبوا بعض أتباعهم من القصر.
في تلك المرحلة تيسَّرت لهم فرصة كبيرة اغتنموها بحنكة، وهي أن زبيدة، زوجة هارون، تأخرت بالإنجاب، فأشارت عليه زوجة جعفر البرمكي أن يتزوج إحدى جارياتها الفارسيات، واسمها مراجل، التي أنجبت المأمون، غير أن زبيدة حملت في تلك الأثناء ووضعت الأمين، الذي يكبر أخاه بستة أشهر.
كان البرامكة يستندون في قوتهم إلى أنهم من عملوا على تربية هارون، وساعدوا في توليه الحكم، بعد وفاة أخيه الهادي، لكن حين استشعر محاولتهم إشعال الفتنة بين نجليْه الأمين والمأمون، ألقى القبض على يحيى وجعفر البرمكي، ثم القبض على الفضل بن يحيى، أخي هارون في الرضاعة.
فالبرامكة الذين كانوا من أصول مجوسية، وكان جدُّهُمُ الأكبر خادم المعابد المجوسيّة، حين دخلوا الإسلام، لم يتخلَّوْا عن أحقادهم، لذا جعلوا كلَّ شيء في الخلافة يصبُّ في مصلحتهم.
في أواخر عهد هارون نشب صراعٌ على ولاية العهد بين زوجته زبيدة، التي سعت لمُبايعة نجلها الأمين، ودعمها بذلك بنو جلدتها من بني هاشم، وبني العباس، مقابل دعم كامل من البرامكة لنجل الرشيد الآخر المأمون، الذي نشأ على تربيتهم وفي كنفهم، ومحاولة إقصاء الأمين، غير أن هذه الصحوة المتأخرة للرشيد لم تساعد على تثبيت الحكم العباسي، إذ ليست إلا سنوات قليلة حتى اندلعت الحرب بين الأخوين، وبدأ معها العد التنازلي لزوال الخلافة العباسية.
على العكس من ذلك كانت الدولة السعودية الثالثة، التي أسسها المغفور له، الملك عبدالعزيز بن سعود، باني هذه المملكة الكبيرة، ففي المراحل الأولى من تأسيس الدولة، وبسبب الشح في الشخصيات، التي تدرجت بالمسؤولية في الدول الحديثة، استعان بعدد من المستشارين العرب، ومن هؤلاء محمد معروف الدواليبي، ويوسف ياسين، ورشاد فرعون، وحافظ وهبة، ورغم أنه كان يستمع إلى آرائهم إلا أنه يتخذ القرار الذي يخدم مصلحة بلاده.
ويُروى أنه في إحدى المرات استشارهم بأمر، فأشاروا عليه بعكس ما يخدم مصلحة البلاد، فقال لهم ما معناه: صحيح أننا نستمع إلى رأيكم، لكن لنا قرارنا النابع من قناعاتنا.
ثمَّة مُستشارون إذا أخلصوا للحاكم، يؤدون دوراً كبيراً في نهضة البلاد، بشرط أن تكون لدى صاحب القرار البصيرة في استشراف فائدة بلاده، تماماً كما كانت حال النبي يوسف -عليه السلام- مع ملك مصر، الذي أخرجه من السجن، بعدما ادعت زوجة عزيز مصر -أي رئيس مجلس الوزراء في ذلك الزمن- أنَّ يوسف -عليه السلام- راودها عن نفسها، فأودع السجن زوراً وبهتاناً، غير أن الله نجاه من تلك التهمة، بعدما رأى ملك مصر رؤيا عن سبع بقرات سمان يأكلهنَّ سبعٌ عجاف، وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات، ولم يستطع المُستشارون والمُفسرون تفسير ذلك، حينها تذكر ملك مصر السّاقي، الذي خرج من السجن، وقصَّ عليه حكاية رؤياه مع يوسف -عليه السلام- له، فطلب إليه أن يذهب إلى السجن ليُقابل يوسف، من أجل تفسير رؤياه.
فسَّرَ يوسفُ الرؤيا، وقدَّم الحلَّ السَّليم، فرجع الساقي إلى مليكه ليُخبره بذلك، فقال: “ائتوني به”، وكرَّمه وقرَّبه إليه. وحين سأله ملك مصر عما يطلب، قال يوسف: “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”.
درجت العادة في الولايات المُتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا والدول المتقدمة، على أن كلَّ رئيس جديد يأتي بطاقم من المُوظفين والمُستشارين الجُدد، ولا يستعين بأحد ممن كانوا في عهد من قبله؛ لأنه لو أفلح هؤلاء لكانوا نجحوا بفوز رئيسهم بولاية جديدة، أو أقله فاز حزبُهم بالانتخابات، فيما الاستعانة بمن أكل عليهم الدَّهر وشرب، وخصوصاً الذين لا يرَوْن من منصبهم الحسّاس هذا إلا فائدة عوائلهم وأنفسهم، أو تياراتهم السّياسية، فذاك بداية انهيار الدول.

You might also like