مَنْ يُبخر للآخر …الحكومة أم المجلس؟

0 378

أحمد الجارالله

حين تتماهى رئاسة السلطة التشريعية مع رئاسة مجلس الوزراء يؤدي ذلك إلى إسقاط الدستور الذي أساسه الفصل بين السلطات، وممارسة كل منها دورها من دون جور واحدة على الأخرى، لذا حين تصبح السلطة الأعلى (التشريعية) منقادة للأدنى منها (الحكومة) فإنها بذلك تتخلى عن دورها الطبيعي، وهو التعبير عن وجهة نظر الشعب والسعي إلى خدمته.
في هذا الشأن يكون دور الرجل الثاني في الدولة (رئيس مجلس النواب أو الأمة) المدافع الأول عن مجلسه، ولا يتحول درعاً للحكومة بمواجهة أعضاء سلطته، وأيضاً لا يسمح بأن يتحول المجلس سلطة استبدادية تسيرها أمزجة النواب.
لا شك أن دور رئيس مجلس النواب معقد، لكنه يبقى على مسافة واحدة بين طرفي سلطتي الحكم (التشريعية والتنفيذية)، ففيما الحكومة تترجم وجهة نظر النظام عبر قراراتها وخططها، فإن السلطة التشريعية تكون الحارس على المصالح الشعبية؛ لأن الحكومة تميل إلى فرض إرادتها، خصوصاً إذا كانت قائمة على رؤية غير واضحة لممارسة صلاحياتها، وإذا كانت، أيضاً، تستعين بالفساد لتعزيز سلطتها، فهنا يكون دور رئيس السلطة التشريعية حاسماً في مواجهة ذلك.
في السنوات الأخيرة، وخصوصاً مع الحكومات الأربع للشيخ صباح الخالد، افتقدت رئاسة مجلس الأمة هذا الدور، إذ لاحظ كثيرون أنها أصبحت المدافع الأول عن الحكومة على قاعدة “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، والمؤسف أن ذلك يحدث للمرة الأولى في تاريخ الكويت البرلماني، فمنذ ستينات القرن الماضي توالى على مجلس الأمة رؤساء عدة، بدءاً من عبداللطيف محمد الغانم، وعبدالعزيز حمد الصقر، وسعود العبدالرزاق، وأحمد زيد السرحان، وخالد الغنيم، ومحمد يوسف العدساني، وأحمد السعدون، وجاسم محمد الخرافي، وعلي الراشد، وصولاً إلى مرزوق الغانم، وغالبية هؤلاء كانوا يدركون جيداً طبيعة دورهم وصلاحياتهم، ولم ينحازوا للسلطة الأدنى، بل عرفوا متى يقفون مع الحكومة ومتى يصدونها عن المجلس، وابتعدوا عن دواوين وصالونات القرار التي تكثر فيها مباخر الطيب وفناجين القهوة.
رغم كل الملاحظات على أداء النواب لا يجب أن يتخلى رئيس المجلس عن دوره، ولا ينحاز إلى رئاسة مجلس الوزراء، بل يعمل وفق صلاحياته لمواجهة حكومة متخلية أصلاً عن دورها.
حكومات اللا قرار الأخيرة تسببت بالمزيد من التراجع الاقتصادي والاجتماعي، أكان بسبب سوء اختيار الوزراء، الذين تفتقد غالبيتهم إلى الحصافة في إدارة المؤسسات التابعة لهم، ما جعل المنصب الوزاري طارداً، أو افتقادها لبرنامج العمل الذي يلبي حاجات البلاد، ويرد الكثير من الكويتيين السبب إلى موقف رئاسة مجلس الأمة وتخليها عن دورها، خصوصاً في ما يتعلق بالتصدي للتحايل على الدستور الذي أوقع الكويت في فراغ تنفيذي وتشريعي، وكأن العدوى العراقية واللبنانية انتقلت إلينا، فيما كل الإمكانات كويتياً متوفرة للمساعدة على تخطي الوضع الشاذ الذي تعيشه البلاد، ووضع خطة طريق للخروج من الأزمة بأقل الخسائر، بل يمكن تحويلها فرصة نهوض تاريخية للكويت.
أياً كانت مبررات رئاسة مجلس الأمة، فإن هناك حاجة إلى موقف واضح للحؤول دون استمرار هذا العبث الدستوري الحكومي أو النيابي، وعدم التبخير للحكومة الذي يرتد سلباً على الشأن العام، فيما يرى كثير من المواطنين أن على رئاسة مجلس الأمة العمل مع النواب على إقرار المطالب الشعبية والضغط على السلطة التنفيذية لتلبيتها وتهيئة الأدوات التشريعية لذلك، وعدم جعلها مصدر ابتزاز نيابي- حكومي؛ لأن رئاسة مجلس الأمة سلطة قرار لا تخضع لحكومة اللا قرار والمساومات التي تخرب أكثر مما تبني.

ahmed@aljarallah.com

You might also like