نحتاج إلى طفلٍ مُبدعٍ حتى لا نهلك مثل قوم فرعون

0 109

يكاد الفسادُ يأكلُ الدولة، لذا لا حلَّ إلا بالخروج من بطنه التي لا تشبع من طلب المزيد، ولأن الدولة إنسانٌ إذا أسبغ عليه الله العقل عمل على البناء بهمة ونشاط، والتزم المسارات الصحيحة في كل شيء، وإذا سقط في براثن الأهواء والقبلية والطائفية وقدَّم الأنا على المجموع، أهلك نفسه ودولته.
بعد ستة عقود من دولة المؤسسات، وطوفان الشعارات والأمنيات، هل تغير إنسان الكويت، أم نعيش اليوم ردة فُرضت علينا، لأن هناك من تخلى عن العقل وترك “قرعى” الذات النهمة لكل ما هو غير معقول “ترعى” في التعليم الذي منه يبدأ تغيير الأمم، فإن أبدع المرء فيه بنى دولة قوية قادرة، وحمى نفسه ومستقبله ومستقبل أولاده، وإذا أخفق جرّ على نفسه الويلات؟!
تعيش الكويت ومنذ سنوات قليلة ما يُشبه السقوط الحر، فقد عمّ الفسادُ كلَّ مؤسساتها، وغابت سلطة القرار التنفيذي الرشيدة القادرة على درء المخاطر، ما أدى إلى سطو مجموعة نواب على صلاحيات الحكومة التي إذا وجدت فإنها تكون مستقيلة بحكم الخوف، فلا تقدم على قرار جريء، لذا فإنَّ مَرِضَ الرأس التنفيذي أصاب السقم كلَّ الدولة.
ربما تدلنا قصة “الأب والجريدة” للكاتب البرازيلي بابلو كويلو في مجموعته القصصية “كالنهر الجاري” الصادرة عام 2006 على الطريق الصحيح إلى إعادة تصويب المسار، ففي هذه القصة كتب كويلو: “كان الأب يحاول قراءة الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته، وحين تعب من شغب ابنه، قطع صفحة من الجريدة مطبوع عليها خريطة العالم ومزّقها إلى قطع صغيرة. وطلب من ابنه أن يعيد تجميع الخريطة ظناً منه أنّ الولد سيضيع يومه ووقته في جمعها..
لكن لم تمر دقائق قليلة حتى عاد الولد وقد أعاد ترتيب الخريطة، فتساءل الأب مذهولا: “هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا وتساعدك في تجميعها”؟ فرد الطفل قائلا: “لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الصفحة، وعندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم”. عبارة عفوية وذات معنى عميق لبث الوالد يرددها: “عندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم”.
أحياناً تقودنا الصدف إلى حلول إبداعية تنهي الكثير من المشكلات، فهذا الطفل صدفة أعاد بناء العالم، فيما في الكويت، ورغم ستة عقود من دولة المؤسسات إلا أننا عدنا إلى المربع الأول، وهاهي الدولة تسير على غير هدى تتآكلها شتى أمراض الشيخوخة، لذا بات الطموح للإصلاح أشبه بهذا المريض المحموم، لذا لا مفر لنا من العودة إلى بناء الإنسان، فهو الأساس، فإن كان قوياً تعافت الدولة، وإذا كان سقيماً سقطت كل القيم ومعها سقط المجتمع والدولة.
هل يتيسر لنا من هو على شاكلة هذا الطفل الذي استغل الفرصة بجدارة فأعاد بناء العالم من صورة الإنسان، أم أن العناد وقاعدة لا أريكم إلا ما أرى سيُهلكان الكويت مثلما أهلكا قوم فرعون؟

أحمد الجارالله

You might also like