هل تقبلون يا سمو الرئيس أن توصم مسيرتُكُم ناصعة البياض بخاتمةٍ لا تسرُّ؟

0 195

أحمد الجارالله

قيل قديماً: إنَّ الانتهازيين لا تهمُّهم الأخلاقُ، إنما يهمُّهم المال، لذا كَثُرَ الفاسدون، وكاد أصحاب الضمائر الحيّة ينقرضون في الكويت، التي شهدت بعد التَّحرير سرقات بالجُملة، وبمبالغ كبيرة جداً، لذا فإنَّ كلَّ الكلام عن إمكانية النُّهوض من الكبوة الحالية ليس لها أيُّ فائدة إذا لم تكن هناك عملية جراحية، حتى من دون تخدير؛ لإصلاح الإدارة التي تسبب سوؤها بتلك السرقات، بدءاً من النّاقلات، مروراً بصندوق الاستثمارات، والتأمينات، وصندوق الجيش، وضيافة الداخلية، وليس انتهاء بالسطو على مشاريع تُكلِّف أضعاف كلفتها الحقيقية.
لذا يا سمو الرئيس لن يفيد الكلام الذي قلته على مسرح دار الأوبرا، والعين الحمراء التي أظهرتها شفوياً للمسؤولين وقياديي الحكومة، خلال لقائك بهم، فهؤلاء مرتبطون بمراكز قوى ومُتنفذين، أنت ونحن، وكل صغير وكبير في البلاد يعرفهم، ويعرف سطوتهم وقوة نفوذهم.
إنَّ سوء الإدارة أفظع من السرقة؛ لأنه يؤدي إلى انهيار الأخلاق، والاحتيال على القانون، بل طعنه بدم بارد، فمنذ 31 عاماً، أي بعد تحرير البلاد من الغزو لم يعد لدى غالبية الموظفين إلا همٌّ واحدٌ وهو الاستحواذ على أكبر قدر مُمكن من المال، بطرق شرعية وغير شرعية، بل ضرب الفساد نخاع عظام الدولة، إلى درجة أصبح تلزيم المشاريع “بوسة خشم”، والمناقصات وزعت على قلة ممن يعرفون من أين تُؤكل الكتف، فيما الاحتياطي المالي الستراتيجي ينزف ولا أحد يُحرِّك ساكناً، وكأنه ليس مال شعب علق الآمال على حكوماتٍ طعنته من حيث لم يحتسب.
منذ أشهر تتردد مقولة: “إنَّ رواتب القطاع العام أُمِّنت بشق الأنفس، وإن الوزارات أوقفت مشاريعها”، أو “الشهر المُقبل لن تكون هناك رواتب”، فهل يُعقل أن دولة مثل الكويت، لديها ملاءة مالية كبيرة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها أو إكمال مشاريعها، إلا إذا كانت وصلت إلى حد جفاف مصادر الدخل؟!
سمو الرئيس، من موقعكم تتحمَّلون مسؤولية كبيرة، وطنية وأخلاقية وأمام ربِّ العالمين، فأنتم المُؤتمنون على مصير هذا البلد، بصفتكم السلطة التنفيذية، والمسؤولين، أيضاً، أمام القيادة السياسية، التي منحتكم ثقتها لإدارة الجهاز الإداري للدولة، وأمام ممثلي الشعب، الذين منحوكم، أيضاً، الثقة؛ كي تُمارسوا دوركم الطبيعي، فماذا قدَّمتم خلال عام ونيف؟
إذا كانت كلُّ أجهزة الدولة عاجزة عن استرداد ما نُهب من أموال في وضح النهار، فهي لا شك عاجزة، أيضاً، عن محاسبة أي مسؤول مهما كان موقعُهُ صغيراً في الهرم الإداري؛ لأنها ببساطة تخاف من صيحة هنا، ولمزة هناك.
حين يعود الحديث عن العجز المالي إلى الواجهة فذلك إدانة لمجلس الوزراء؛ لأنه لم يُبادر إلى الإصلاح الحقيقي، لذا حتى لو قَبِلَ كلُّ الكويتيين بالمُبررات والحجج التي يسوقها السادة الوزراء، وفي مقدمهم سموكم، عن الصعوبات في إقرار قوانين الإصلاح، وأن مجلس الأمة يرفض أي تشريع يمسُّ جيوب المواطنين، فكيف يجري تمرير بعض القوانين بالاتفاق معه، فيما الإصلاحات تتعطل، وتحصين سموكم والوزراء من الاستجوابات يمرُّ بكلِّ سهولة؟! رغم ذلك إذا كان المجلس يُعطِّل الإصلاح فإنَّ ذلك أدعى إلى إقفاله، إذا كان هو العقبة.
لكن في المُقابل، على الحكومة أن تُبادر إلى الإصلاح على خطين، الأول: السعي الجدي إلى استرجاع الأموال التي هرَّبها السارقون إلى الخارج، وأن تُطبِّقوا القانون بلا هوداةٍ على كلِّ الذين مدوا أيديهم إلى المال العام؛ تنفيذاً للمادة 17 من الدستور.
والثاني: أن تبدأ فوراً بتطبيق المادة 48 من الدستور، أيضاً، التي تنصُّ على “أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب وفقاً للقانون، وينظم القانون إعفاء الدخول الصغيرة من الضرائب بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة”، فإقرار الضرائب والرُّسوم حقٌّ مكفولٌ لكم دستورياً، والتنازل عنه هدرٌ للمال العام، وفي هذا ليس لأحد أن يتحجَّج بحماية ذوي الدخل المحدود، الذين كفل الدستور حمايتهم.
لقد ضيَّعت الحكومات المُتعاقبة الكثير من الفرص، بدءاً من مشاريع الـ”BOT”، وليس انتهاءً بالمنطقة الشمالية الاقتصادية، التي تحدثتم سموكم عنها طويلاً، فيما هي نامت سنوات بأدراج الحكومة ومجلس الأمة، بينما في دول أخرى كانت أوضاعها أكثر سوءاً من الكويت، لكنها نهضت بفضل الضمائر الحيّة، والإخلاص الوطني.
سمو الرئيس، من الخيانة عدم قول كلمة الحق من أجل المصلحة الوطنية، ولذا من خير الأعمال القضاء على الموبقات التي تهدم الدولة، وهي أصبحت في هذا الزمن كثيرة؛ نتيجة للتقاعس، و”حب الخشوم”، وعقد الصفقات من أجل منصب زائل، فهل تقبلون أن توصم مسيرتُكُمُ ناصعة البياض بهكذا خاتمة؟

You might also like