هل عاد قوم يأجوج ومأجوج من جديد ليُفسدوا في الأرض؟

0 136

هل استنفدت الديمقراطية الكويتية ذاتها، ووصلت إلى مرحلة تعاني فيها من أمراض شيخوخة مبكرة، أم لايزال هناك متسعٌ لإصلاح ما أفسده الفهم الخاطئ لهذا النوع من الأنظمة التي ترتقي بالأمم، ولا تجرها إلى الخراب والانحدار؟
هذا السؤال برسم كلِّ المسؤولين الذين لم يُدركوا بعد أن الأزمة التي تمرُّ بها البلاد تكلفها ثمناً باهظاً جداً، ومع كل يوم تكبر الخسارة، فيما رفع سقف الخطاب والاستمرار بالتأزيم يؤديان إلى الانتحار.
لا شكَّ أننا جميعاً نعرف الأسباب الحقيقية لاختيار الكويت نظاماً ديمقراطياً، الأمة فيه مصدر السلطات، إذ كانت لمواجهة الأزمة التي افتعلها عبدالكريم قاسم في العام 1961؛ لإجهاض استقلال البلاد، بدعم من الاتحاد السوفياتي، وقتذاك، ما دفع ببريطانيا إلى نصح المسؤولين بضرورة إنشاء مؤسسات ووضع دستور يُحاكي الأنظمة الديمقراطية؛ كي يسهل ذلك قبول الكويت عضواً في الأمم المتحدة، باعتبارها دولة عصرية.
نعم، لقد وضع رجالٌ عظامٌ دستوراً عظيماً، إذا أحسنت الأجيال العمل به، لكن ذلك الرعيل رحل، وبعده بدأ التمثيل الشعبي ينحدر، حتى وصلنا إلى شيوع القبلية والطائفية والمناطقية؛ لأن هناك من لا يملك أي ثقافة تؤهله ليكون مشرعاً، بل أصبحت لغة الخطاب عنصرية في جوانب كثيرة، فيما استغل النواب سلطتهم في توظيف المحاسيب والأزلام، فشاع الفساد، وتحوَّلت المؤسسات مزارع لبعض الوزراء والمتنفذين.
في المقابل، كانت بعض القوى الظلامية تستغلُّ الديمقراطية للزَّحف على السلطة التشريعية، والإمساك بمفاصلها، لتكشف لاحقاً وجهها البشع عندما بدأت تسعى إلى جعل الكويت دولة دينية عبر تعديل المادة الثانية.
هؤلاء مارسوا قمعهم على وزراء لم يكونوا بمستوى المسؤولية، فانصاعوا للظلاميين وعملوا على تغيير النهج الثقافي المنفتح، ففرضوا على المؤسسات كافة رغبات خريجي كهوف تورا بورا الطالبانية.
بموازاة ذلك، تحوَّلت حرية الرأي والتعبير، التي من أهم أسسها الارتقاء بالمجتمع إلى حرية شتم، و”بلاغة شف”، ما دفع بكثيرين اليوم إلى رفض تولي أي حقيبة وزارية؛ كي لا تتلوث سيرهم باتهامات باطلة، ويُساء لهم ولعوائلهم، بل هناك الكثير من الكفاءات الكويتية تبتعد عن العمل العام لهذا السبب.
هذا الوضع مستمر منذ ما بعد تحرير البلاد من الاحتلال العراقي، فيما كان التحرير فرصة تاريخية يمكن استغلالها بإعادة بناء الدولة على أسس واضحة وعصرية، لا أن تنزلق إلى هذه الدرجة، وتصبح صورتها في الخارج مشوهة، أكان ذلك من خلال كثرة الحديث عن تجارة البشر “تجار الإقامات” أو فضائح غسيل الأموال، والرشوة المفضوحة التي باتت مصدراً لتباهي اللصوص، وقد رأينا ذلك في جملة من الملفات المنظور بعضها أمام القضاء.
المؤسف حقاً، أن الكويت التي كانت عروس الخليج تتخلف وتنحدر إلى درك بشع جداً، فيما هناك دول مجاورة تمضي بطريقها إلى الريادة، ولديها خططها التي تعمل مؤسساتها على تنفيذها بتوجيهات من حكام مستنيرين يدركون حاجات شعوبهم، وأبوابهم مفتوحة للجميع، واختاورا مجالس شورى من نخبة اجتماعية وعلمية، ولا يعرقل مسار الدولة فيها مجلس أمة غالبية نوابه متمصلحون يوظفون المال العام ومؤسسات الدولة لمصالحهم الخاصة، ولا يعنيهم المواطن بشيء، فيما تتحول جلساته مسرحيات هابطة تثير الغثيان.
ما يجري في الكويت ليست الديمقراطية التي أرادها الرعيل الأول، إنما هو قتال فئة للاستحواذ على صلاحيات السلطات الأخرى، وهذا يؤدي إلى تدمير البلاد.
انظروا يا سادة ماذا فعلت الديمقراطية المنقوصة والمشوهة المبنية على الطائفية والقبلية والمذهبية في العراق ولبنان، وغيرهما من الدول، كما عليكم أن تنظروا، أيضاً، إلى الديكتاتوريات المستنيرة في بعض دول الخليج، لتتعلموا منها، فالأزمة الحالية مستمرة إذا لم يجرِ تداركُها، ولا بد من تغيير المعيار الخطأ،
فالحكام المستنيرون الذين أعطوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، دفعوا ببلادهم إلى أرقى المستويات، بينما في الكويت جعلنا الديمقراطية سكيناً نسلخ بها الوطن والمواطن، فهل عاد قوم يأجوج ومأجوج من جديد ليُفسدوا في الأرض؟

أحمد الجارالله

You might also like