هَجَرَ العربُ ابن خلدون فانهارت دولُهم … واتَّبَعه الغربُ فتقدَّم وازدهر

0 190

لأنَّ زمار الحيِّ لا يُطرب ترك العرب أهمَّ إرث اجتماعي وسياسي، وهو فكر عبدالرحمن بن خلدون، الذي يُمكن أن يؤهلهم لكي يكونوا في طليعة الأمم، فذهبت كلُّ خططهم التنموية أدراج الرياح، بل تحوَّلت بسوء الإدارة وبالاً عليهم، فيما الأمم الأخرى التي استفادت من فكر هذا الرجل في نظرية بناء الدولة، وتفادت الأخطاء التي حددها لسقوطها فأصبحت اليوم قوى كبرى متحكمة بالاقتصاد والسياسة، بل التعلم والمجتمع، عالمياً.
مع الأسف حكامنا في العالم العربي، وبعض دول الخليج، أشاحوا بنظرهم عمّا كتبه الرجل قبل 700 عام، فيما أصبح هو لدى جامعات العالم قاطبة مؤسس علم الاجتماع، منه يتعلم هؤلاء يومياً أسس إدارة المجتمع والدولة، ولم يكن استشهاد الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان بهذا الرجل محض صدفة، بل دلَّ على الوسيلة التي يُمكن منها السعي إلى إنجاح الدولة، إذ قال -خلال فترة حكمه رداً على سؤال-: “عندما كنت شاباً درست الاقتصاد بالكلية، وعرفت عن حكيم يسمى ابن خلدون، عاش قبل 1200 سنة في مصر قال: الإمبراطوريات والدول في بداياتها تكون الضرائب منخفضة والإيرادات عالية، وعند قرب انهيارها تصبح الضرائب عالية والإيرادات منخفضة”، ولم يكن هذا هو الاستشهاد السياسي الوحيد، بل تحدَّث الكثير من الزعماء غيره عن عبقرية هذا الرجل.
هذا المفكر العربي، الذي لا يزال يدرّس في جامعات العالم، حدد عمر الدولة بخمسة أطوار، الأول هو طور التأسيس، وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك، لذا فهو لا يستغني عن العصبية، إنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركاً نوعاً ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.
أما المرحلة الثانية فهي الانفراد بالملك، وهذا ميلٌ طبيعيٌّ وفطريٌّ لدى البشر، ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقرَّ يعمل على قمع العصبية، كما يعمل على استبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلَّا مع ثاني أو ثالث زعيم، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية.
هنا يضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية، أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.
أما المرحلة الثالثة هي الفراغ والدعة، إذ يتمُّ تحصيل ثمرات الملك، وتخليد الآثار وبُعد الصيت، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها، ويتفرغ السلطان لشؤون الجباية، وإحصاء النفقات والقصد فيها، ولتخليد ملكه يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع: السلطان بمجده، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.
هذه المرحلة تؤدي إلى الطور الرابع، وهو القنوع والمسالمة، إذ يكون صاحب الدولة قانعاً بما بناه أسلافُهُ، مقلداً لهم قدر ما يستطيع، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمُّد فلا شيء جديداً يحدث، كأنها تنتظر بداية النهاية.
هذه الحال تفتح الباب على الطور الخامس، إذ فيه يبدأ الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة متلفاً لما جمعه أسلافُهُ في سبيل الشهوات والملذات والكرم على بطانته، فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون، وهادماً لما كانوا يبنون، فيستولي عليها المرض المزمن الذي لا بُرء منه إلى أن تنقرض.
وبداية انحلال الدولة عند ابن خلدون يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان، ولهذا تنهار الدولة سياسياً واقتصادياً.
الواقع العربي حالياً يكاد يكون مشابهاً لما وصفه عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته، فيما يسعى القادة والحكام إلى تحميل البطانة المسؤولية عن الأخطاء، وهذا خطأ وتصوير غير أمين للواقع؛ لأن هؤلاء المستشارين لم يجتمعوا من تلقاء أنفسهم حول الحاكم، بل هو من اختارهم لتأدية ما لا يستطيع هو تأديته، إذ من المستحيل أن ينفرد رجل واحد بإدارة دولة كاملة، بل هو يكون الموجه وصاحب الأمر، ولهذا إذا عرف اختيار بطانته نجا هو ودولته، أما إذا حصل العكس فإنه يؤسس لانهيار الدولة التي بناها أسلافه.
ربما على الحكام العرب والخليجيين الذين هجروا ابن خلدون، أن يقرأوا مقدمته، ويتفكروا في ما يمكن أن تكون عليه دولهم إذا هم أحسنوا الإدارة، ويتعلموا من الغرب الذي أخذ فكر هذا الرجل المُتوفَّى منذ 700 عام، وعمل به حتى حقق أعلى درجات التقدم، خصوصاً في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ العالم، حيث المؤشرات عدة على تغيير جذري في الخريطة الدولية، فهل هناك من يقرأ هذه المراحل الخمس لعمر الدولة ويتعلم؟

أحمد الجارالله

You might also like